مواضيع

طريق إصلاح المجتمع هو إصلاح الحكم

من كتاب خط الإمام الخميني للشيخ جاسم المحروس

المبدأ القائل بأن طريق إصلاح المجتمع هو إصلاح الحكم لا إصلاح الفرد، فإذا أردنا إصلاح المجتمع، علينا أولاً أن نصلح الحكم، ومالم نصلح الحكم فلن نكون قادرين على إصلاح المجتمع.
بخلاف الفكرة التي كانت سائدة في السابق من إصلاح المجتمع يكون من طريق إصلاح الفرد، وهذا هو ما كان يتبناه السيد الشهيد محمد باقر الصدر (ق) كأسلوب للحراك والعمل السياسي متمثلاً في حزب الدعوة.
كانت الفكرة تقول بأننا لكي نصلح المجتمع، فلابد أولاً من إصلاح أنفسنا لكي نكون قادرين على إصلاح الآخرين، وبعد أن نكون قادرين على إصلاح الآخرين نبدأ في العمل على إصلاحهم وتطعيمهم بنفس الفكرة وخلق الحس الرسالي والتبليغي فيهم كي يستمر العمل وتستمر الرسالة وتنتشر في أوساط المجتمع، وبذلك يصبح المجتمع صالحاً ورسالياً، وبعد أن ينصلح المجتمع سيتجه هو بنفسه نحو إصلاح الحكم وسيتحرك نحو ذلك تلقائياً وذاتياً وسيكون مهيئاً لإصلاح الحكم وتحمل تبعات ذلك وتقديم التضحيات.
عمل رسالي وعمل غير رسالي، الرسالة، الدعوة، التبليغ، الخ..
وهذه الطريقة من التفكير والعمل هي الطريقة السائدة في البحرين، والمنتشرة بين أفراد المجتمع بشكل عام، والنخبة بشكل خاص، وقد كانت هي المسيطرة في الزمن الماضي.
كما أن هذه الطريقة من التفكير تتبنى العمل النخبوي كأسلوب في العمل السياسي، فالتحركات والأعمال دائما لابد أن يقوم بها النخبة وتنطلق من النخبة، ومثال ذلك: تحركات حزب الدعوة، وجبهة تحرير البحرين في الثمانينات التي كانت تتبنى العمل النخبوي السري.
بخلاف مدرسة السيد الإمام (ق) الذي يرى أولاً بأن إصلاح المجتمع يتم عن طريق إصلاح الحكم، وثانيا يتبنى العمل الجماهيري كأسلوب في العمل السياسي، وانتشرت مفردات ارتبطت بهذه المدرسة تدل على الطابع الجهادي الذي تقوم به هذه المدرسة وعلى الأسلوب الذي تتبناه في مقام العمل، وهذه المفردات هي: المقاوم، الفكر المقاوم، المقاومة، الاقتصاد المقاوم، حزب الله، حزب إلهي.
وقد أثبتت الأحداث السياسية المختلفة التي وقعت في السنوات الماضية في مختلف مناطق العالم، عدم صوابية الطريقة الأولى من التفكير، وصوابية الطريقة الثانية، فصار من الواضح الآن إن الحراك الجماهيري هو الأسلوب الفعال في العمل السياسي وليس الحراك النخبوي الذي يفتقد الشفافية والوضوح ويكون من خلف الكواليس.
وما حصل في ما يسمى بالربيع العربي هو خير مثال على ذلك، فقد تبين كيف إن الضغط الجماهيري في الشارع فعال لإيجاد التغيير السياسي، وما حصل في الجزائر والسودان مؤخراً يثبت ذلك مرة أخرى لمن دخله الشك بعد الفشل الذي لحق بأغلب الثورات. وعلى كل حال، فإن الضغط الجماهيري وحراكه هو أكبر خطر يواجه الحكومات، وقد التفتت القوى الاستكبارية لهذا الأمر وصارت تدعم وتؤجج كثيراً من التحركات للإحداث في تغيير الأنظمة السياسية، كما حصل في أوكرانيا وسوريا، وأرادت أن تفعل نفس الأمر في إيران وفنزويلا.
وقد يشكك الواحد منا في إمكانية أن يرفض أحد ما العمل الجماهيري في الشارع. ولكن هذا الأمر الواضح الآن لم يكن بذلك الوضوح في الفترات السابقة.
ففي التسعينات مثلاً، كان الحراك في البداية حراكاً نخبوياً في 1992م فقد كان التحرك عن طريق طرح العريضة النخبوية. وبعد وضوح عدم جدوى تلك العريضة، تم طرح العريضة الشعبية عام 1994م وحينها بدأ الحراك الجماهيري، في مقابل ذلك كان الشيخ المدني رحمه الله لا يتبنى مثل ذلك الأسلوب في العمل السياسي، بل يتبنى الحراك السياسي الدبلوماسي إن صح التعبير، وهذا الأسلوب الذي كان يتبناه الشيخ المدني هو الأسلوب الذي تنتهجه الكثير من الأطراف السياسية الموجودة في الداخل الآن، سواء صرحت بذلك واعترفت به أم لا!
على أي حال فإن الحراك الجماهيري هو ما تبناه السيد الإمام (ق) في حراكه السياسي، وكان ينتقد الذين كانوا في البرلمان، ولكن لم يكن لديهم حراك شعبي وجماهيري.
وكما أثبتت الوقائع والأحداث إن الحراك الجماهيري هو الحراك الصائب .. وكذلك أثبتت الوقائع والأحداث إن إصلاح المجتمع يتم عن طريق إصلاح الحكم وليس العكس. فمن الناحية العملية إذا أردنا أن نقيم مشاريع للإصلاح في المجتمع وكان الحاكم فاسداً فلن يمكن ذلك إلا بمواجهته. كما أننا لو أردنا أن نمنع فساداً منتشراً في البلاد، فكذلك سنصطدم بالحاكم، فمثلاً لو أردنا أن نمنع الخمر والدعارة فإن ذلك يستدعي الاصطدام مع السلطات. وعلى كل حال فإن البرنامج الشامل والكامل والعام الذي يطرح في الفكر الإسلامي كطريق لإصلاح المجتمع، لا يمكن أن يتم من دون إقامة الحكومة الإسلامية، بل إن أحد مبادئ البرنامج الإسلامي هو إقامة الحكومة الإسلامية.
إن إصلاح المجتمع لا يمكن أن يتم من دون توفير البيئة المناسبة والصالحة لصلاح الفرد، فلابد من رفع الفساد وأرضية الفساد وأسباب الفساد، وفي نفس الوقت إيجاد الأرضية الصالحة؛ والبيئة؛ والأجواء الصالحة، عن طريق بناء المساجد والمآتم والفعاليات والأجواء الروحية، ولهذا كان من الموارد التي يجوز فيها شن حرب على الدولة الكافرة، ما إذا كانت حكومة تلك الدولة تمنع من انتشار الصحوة الإسلامية ولا تسمح بوصولها لأهل ذلك البلد. وكل هذا يؤكد ويوضح عدم إمكانية إصلاح المجتمع مع وجود الحكومة الفاسدة. خصوصاً وأن كثيراً من الناس يكونون مع الموجة العامة ومع الأقوى: «الناس على دين ملوكهم».
وواضح كيف هو الدور الإعلامي الذي تلعبه السلطة وموقع الحاكم والصلاحيات التي تكون لديه، ولهذا تقول الآية: <إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا>.
حيث توضح الآية وتبين كيف إن الناس سيدخلون زرافات زرافات في الدين بعد رؤيتهم الانتصار الإلهي، وما هذا إلا لأن عموم الناس يميلون للمنتصر وللجهة الأقوى.
كما إن الطريقة التي تقول لابد من إصلاح المجتمع أولاً حتى لو كانت ممكنة وصائبة، فهي غير عملية، وتحتاج إلى وقت طويل جداً فهي تحتاج إلى أجيال متلاحقة، وفي كل مرة ستظهر مشاكل جديدة من دون أن تحل السبب الرئيسي والمشكلة الرئيسية، وبذلك تتراكم المشاكل وتبرز من جديد، كما إن الوضع المادي والمالي للناس له مدخلية أيضاً في صلاحهم، وعلى كل حال فإن إصلاح المجتمع لا يمكن أن يكون من دون إيجاد حركة شاملة (اقتصادية، سياسية، اجتماعية، أخلاقية و…)
يقول سماحة الشيخ عيسى قاسم حفظه الله:
«الأمّة والشعب الذي يردُّه عن طريق الإصلاح والتغيير والحرّيَّة إرجاف المرجفين، والخوف من الكلفة، وتقديمُ حياة الذِّلة والعيش الخسيس على استرداد العزّة والكرامة، ونيل رضا الله، عليه أن يتوقف عن بناء نفسه، وتنمية قابلياته، وطلب أيّ نوع من القوة لا يوظّف في خدمة السلاطين الذين يرفضون التغيير، كما يرفضون أيّ وسيلة تُعين عليه، وتغري الأمّة والشعب بالمطالبة به.
وليس أغرى وأكثر دفعًا لطلب التغيير الذي يعيد الأمور إلى نصابها، ويكفُّ أذى الطغيان في الأرض من التوفُّر على العلم والرشد، ووجدان أسباب القوة، واكتساب عوامل المقاومة. وهذا ما تراه حالة الطغيان المسيطرة تهديدًا جدياً لا يمكن التسامح معه، ولا بدّ من إجهاض أيّ محاولة على طريقه».
كما أن الفكرة التي يطرحونها أو التي يستنبطها طرحهم من أن حراك الناس لا يمكن أن يكون إلا بعد أن يمتلكوا المؤهلات الروحية الكافية تبين خطؤها، لأنه يكفي لتحريك الناس إشعال نفوسهم وإحساسهم بالظلم ولو كان كلامهم صحيحاً لما خرجت الثورات في البلدان الكافرة ولما صدرت التضحيات منهم. وهذا خلاف الوقائع والتاريخ.
ولعل الآيات التي تتحدث عن قصة موسى وفرعون فيها إشارة إلى هذا الموضوع أيضاً: <إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ>
فلما أرسل الله عز وجل موسى بالنبوة أرسله إلى فرعون مباشرة، ولم يقل له أولاً أصلح المجتمع وأسس النخبة ثم بعد ذلك توجه إلى إصلاح المجتمع، بل قال له من البداية اذهب للحاكم وأصلحه: <اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى>

المصدر
كتاب خط الإمام الخميني | الشيخ جاسم المحروس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟