مواضيع

اعتماد المنهج العقلائي

من كتاب خط الإمام الخميني للشيخ جاسم المحروس

يخطأ الكثير عندما يتصوّر أن فكر السيد الإمام محصور بمسائل جزئية سياسية، أو شعارات سياسية، أو حتى أفكار كلية محددة.
باعتقادي أن فكر السيد الإمام هو بالدرجة الأولى «طريق تفكير» ونتاج لهذه الطريقة، وبالدرجة الثانية هو فهم السيد الإمام للإسلام ومفاهيم الإسلام، ولذلك فإن فكر وخط السيد الإمام عميق ومتجدد بتجدد وعمق الإسلام.
وعندما نقول بأن فكر السيد الإمام هو بالدرجة الأولى طريقة تفكير، فنعني ذلك بأن السيد الإمام يعتمد في الوصول لنتائجه أسلوباً معيناً وطريقةً معينة تميزه عن غيره، هي التي أوصلته للنتائج التي وصل إليها، وهذه الطريقة هي النظرة العقلائية والواقعية في النظر للأمور.
والنظرة العقلائية والعقلية للمسائل الدينية والتراث الديني تتجلى بشكل واضح في استدلاله على وجوب إقامة الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه.
وتجلى ذلك أيضاً في اهتمام مدرسة السيد الإمام بالفلسفة من ناحية الدراسة والتدريس، وكان السيد الإمام (ق) يدرس الفلسفة بنفسه، ولم يكن هذا الأمر مقبولاً في الأوساط الحوزوية في تلك الفترة، حتى أنه تنقل قصة معروفة في هذا الصدد، وهي:
كان بعض الطلبة في الحوزة يغسلون «كأس السيد مصطفى» ابن السيد الإمام لاعتقادهم بنجاسته، باعتبار أن والده كان يدرّس الفلسفة!
وهنا نشير إلى مسألة مهمة في هذا الجانب، وهي أن كثيراً من الأمور التي هي واضحة في هذه الأيام، ومقبولة عند الناس وبديهية، كانت مرفوضة في السابق وغير واضحة، ومثال ذلك: ما ذكرناه آنفاً حول الفلسفة وتدريسها، وحول اعتماد السيد الإمام (ق) المنهج العقلي في الاستدلال الفقهي، فربما يستغرب القارئ أن يرفض أحد الاعتماد على العقل في الاستدلال، ولكن في السابق لم يكن ذلك معتمداً ومقبولاً، بل إن هذا الأمر لا زال غير معتمد بشكل ملموس، حتى وإن كان ذلك مقبول ومقرّر نظرياً.
وكذلك بالنسبة للنظرة العقلائية والواقعية للمسائل الدينية والتراث الديني بشكل خاص، والأمور الأخرى بشكل عام، فالجميع يقبل ذلك، ولكن بالنسبة لتطبيق ذلك وتحديد ما هي الأمور العقلائية وغير العقلائية فلا يوجد اهتمام بذلك.
وطبعاً عندما تعتمد مدرسة السيد الإمام (ق) لهذا الأمر، فهي تعتمد ذلك من باب إن الدين لا يمكن أن يكون ديناً غير عقلائي وغير واقعي، بل بما أن الدين هو منهج حياة، فلابد أن يكون قابلاً للمعايشة والتطبيق لا سيما في المسائل الاجتماعية والمرتبطة بالمجتمع والأحكام الاجتماعية.
وكذلك في فهم التاريخ الإسلامي، والنظر لسيرة الأئمة والمفاهيم الإسلامية العامة:
– التقية
– الانتظار
– القضاء والقدر
– الجبر والاختيار
– الشفاعة
وبشكل عام لا يمكن لأي مسألة دينية، فقهية، عقائدية أو أخلاقية أن تخالف الدليل العقلي القطعي، حتى لو كانت رواية صحيحة، فإما أن نأولها أو نرد علمها لأهلها، وحتى لو كانت آية ولكن كان ظاهرها مخالفاً للدليل العقلي القطعي، كالآيات التي تدل بظاهرها على التجسيم <اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ> <يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ>، فهذه الآيات نحملها على غير ظاهرها، بل يقولون بأنه لا يكون لها ظهور أصلاً بخلاف الدليل العقلي، ومثال ذلك في جانب الروايات، الروايات التي تدل على دخول ابن الزنا للنار، فلا يمكن قبول هذه الروايات بظاهرها البدوي، وهكذا ..
وطبعاً هذا لا يعني التسرع في تحديد ما هو العقلائي وما هو غير العقلائي، ولا يعني تطبيق ذلك – والكلام هنا عن الجنبة العقلائية – في جميع المسائل الدينية، بل لابد من التريث وألا يتصدى أي أحدٍ لهذا الأمر.
وبما أن فكر السيد الإمام (ق) عبارة عن طريقة تفكير، وعبارة عن فهم السيد الإمام (ق) للإسلام وعبارة عن اعتماد تلك الطريقة في فهم الإسلام وتفسيره، فإن هذا الفكر وهذا الخط سيكون عميقاً وواسعاً وشاملاً، بعمق وسعةِ وشمول الإسلام، كما أنه سيكون متجدداً بتجدد الإسلام وحيويته، وهذا معنى أن فكر السيد الإمام غير محصور في مسائل محددة، فحتى لو كانت بعض المسائل لم يتطرق لها السيد الإمام (ق) ولم يطرحها ولكن يمكن طرحها من ضمن فكره ومدرسته باعتبارها نتاجاً لنفس الطريقة من التفكير ولنفس النظرة.
إذاً هذا هو المنطلق الأول من منطلقات مدرسة السيد الإمام (ق)، ونستطيع أن نقول إن هذا هو المنطلق الأساس في الفكر الخميني (ق) لفهم الأمور، ولكن هذا لا يعني أنه المنطلق الوحيد كما سنبين في العناوين القادمة، بل هو منطلق ولكنه منطق لأي أمر؟ هو منطلق لتفسير الإسلام والدين، فصحيح أننا نعتمد التعقل والعقلانية لفهم الحياة والكون، ولكن بنظرة عقلائية واقعية وسطية، تعتمد النصوص الدينية في تفسير الحياة.
نذكر مثالاً آخراً للتوضيح، وهو العقوبات الشرعية في الحياة الدنيا؛ فمن دون شك إن هذه العقوبات لا تنزل بساحة الإنسان من أجل الانتقام، بل هي من أجل الحفاظ على نظام المجتمع والحفاظ على احترام القوانين.
ومثال آخر: مسألة «الشفاعة» ومفهومها يمكن أن نقدمه بمعنى خاطئ يشجع على ارتكاب الذنوب، وبمعنى آخر يشجع على ترك الذنوب واجتناب الخطايا، بالنسبة للروايات والآيات لا توجد رواية أو آية تقول بأنه لا يمكن أن تكون الشفاعة تشجع على ارتكاب الذنوب، ولكن نحن ندرك بأنه لا يمكن أن تكون كذلك، ولماذا؟
لأن المعنى الثاني معنى غير عقلائي وغير منطقي ويتنافى مع روح الإسلام والشريعة ومقاصد الشريعة.
وهكذا لو قدمنا مفهوماً للشفاعة يضعف روح السعي، والمثابرة في نفس الإنسان، فهذا أيضاً لا يمكن قبوله، ولماذا؟
لأنه لا يمكن أن يكون الدين الإلهي ديناً يدعو إلى الخمول، بينما لو لاحظنا معنى الشفاعة لدى عموم الناس والمفهوم الموجود في أذهانهم عنها، سنجد أن الشفاعة تعني عندهم أن الشفيع يستفيد من مكانته وشخصيته ونفوذه لتغيير رأي صاحب القدرة بشأن معاقبة من هم تحت سيطرته، وذلك عن طريق استعطافه وتغيير أفكاره أو غير ذلك. وهي بهذا المعنى تعني أنه لا يحدث أي تغيير في المحتوى النفسي والفكري للمجرم أو المتهم، بل إن كل التغييرات والتحولات تتوجه نحو الشخص الذي تقدّم إليه الشفاعة.
يقول آية الله مكارم الشيرازي: «إن كل الاعتراضات والانتقادات والحملات التي توجه إلى مسألة الشفاعة، إنما تنطلق من فهم الشفاعة بالمعنى الأول المنحرف، ولا تلتفت إلى المعنى الثاني المنطقي المعقول البنّاء».
هذا تفسير مقتضب للونين من ألوان الشفاعة، أحدها «تحذيري» والآخر «بنّاء».
نذكر مثالاً آخراً وأخيراً، مفهوم «الزهد» غالباً ما يتم تقديمه بمعنى يجعل من الإنسان منفصلاً عن الحياة والمجتمع، ولا يكون له دور في إصلاح المجتمع وتطويره وتنميته، ولا يكون لديه اهتمام بمشاكل الناس ومعاناتهم، ويترك الأرض ليعيث المستكبرين والظالمين الفساد فيها من دون أن يحرك ساكناً لذلك، بل يبقى عازلاً نفسه في البيت، فهل يمكن أن نقبل مفهوماً لـ«الزهد» ينتج هذه النتائج؟ طبعاً لا، ولكنه لماذا؟
لأنه من غير المعقول أن يدعو الإسلام لمثل هذه الأمور، لأنه إذا دعا لذلك؛ فمعنى أنه يدعو للانفصال عن المجتمع والعالم والحياة، وهذا أمر غير منطقي وغير عقلائي؛ لأن الإسلام بذلك سيكون ديناً بعيداً عن الواقع والحياة، ويكون ديناً فيه مفاهيم غير عملية وغير قابلة للتطبيق، فإما أن نلتزم بمفهوم الزهد -بالتصوير المتقدم- وبذلك تخرب الحياة والدنيا، أو نتركه ولا نطبقه، وبذلك نكون قد تركنا أمراً يطالب الإسلام به!
وطبعاً نحن عندما نقول هنا بأنه تخرب الدنيا فذلك لأن الإسلام عندما يطرح هذا المفهوم أو أي مفهوم آخر فهو لا يطرحه للمسلمين فقط، بل يطرحه للبشرية جميعاً، ويقدّم ذلك على أنه منهاج للحياة والحصول على الشهادة والنجاح في الدنيا والآخرة. فكيف يُطرح مفهوماً يدعو لعدم إعمار الدنيا وهو يدعي أنه لديه الطريقة الصحيحة والمنهاج الصحيح لبناء المجتمع والعيش بحياة سعيدة ورغيدة في الدنيا والآخرة؟
وهذا هو أيضاً ما كنا نقصده ونعنيه عندما قلنا بأنّ الإسلام لا يمكن أن يكون غير واقعي، وإن خط السيد الإمام (ق) يتميز بالواقعية فما تعنيه أنه لا يمكن أن يطرح الإسلام أموراً غير قابلة للتطبيق في الخارج، أو أن يكون تطبيقها فيه عُسر وصعوبة؛ لأنه بذلك سيكون ديناً غير واقعي وغير عملي، وديناً يجعل الحياة عسيرة وصعبة، وهذا أيضاً أمرٌ غير منطقي وغير عقلائي، ويتنافى مع روح الإسلام والشريعة السمحاء ومقاصدها العليا.
ولعله إلى هذا المعنى كان يشير آية الله العظمى السيد محمد الشاهرودي عندما قال بأن: «السيد الخامنئي هو الأعلم في فهم الإسلام» -النقل حسب الذاكرة- فهو يعني بأن السيد الخامنئي هو الأقدر على تشخيص الأهداف العامة للإسلام وتشخيص الأمور التي تتطابق أو لا تتطابق معه، وما هي الأمور العقلائية والواقعية، وما هي الأمور غير العقلائية وغير الواقعية، وفهم روح الإسلام.
وهذا في بعض الأحيان يكون عن طريق تقديم مفهوم جديد يكون مفهوماً عقلائياً واقعياً، وأخرى يكون عن طريق لفت أنظار الناس إلى أن هناك مفهوماً خاطئاً ولا يمكن قبوله، من دون تقديم مفهوماً جديداً وصحيحاً يأخذ محل المفهوم الخاطئ.
وهذا الأمر الثاني هو ما فعلناه عندما تكلمنا عن مفهوم «الشفاعة» ومفهوم «الزهد»، فما قلناه في مجال الشفاعة هو أن هناك مفهوم ومعنى خاطئاً ينتج نتائج خاطئة، وهذا أمر غير صحيح، وينبغي أن يكون المفهوم بحيث أنه ينتج نتائج إيجابية بنّاءة، ولكن لم نذكر هنا ما هو المفهوم الصحيح الذي ينتج تلك النتائج.
وهكذا أيضاً بالنسبة لمفهوم «الزهد»، فكان المجهود الذي قدمناه أقل أيضاً، فنحن لم نذكر تعريف الزهد والمفهوم الخاطئ، بل ذكرنا أنه لا يمكن أن يكون الزهد بمعنى أنه يعطل الحياة وما شابه ذلك.
وطبعاً ما تكلمنا عنه حالياً من تبيين المفاهيم الخاطئة وطرح المفاهيم الصحيحة، وماذا ينبغي أن يكون، فهذه وظيفة العلماء والنخبة المتخصصين، وعلى كل حال هي ليست ورداً لكل شارب.
يضرب الشهيد مطهري أمثلة توضح لنا الموضوع بشكل أكثر، يقول: «دخل سفيان الثوري على أبي عبدالله الصادق (ع)، فرأى عليه ثياباً بيضاً كأنها غرقاً البيض، فقال له: إن هذا اللباس ليس من لباسك. فقال له الإمام: اسمع مني وعِ ما أقول، فإنه خيرٌ لك عاجلاً وآجلاً «إن أنت مت على السنة ولم تمت على بدعة». أخبرك أن رسول الله (ص) كان في زمان مقفر مجدب، فأما إذا أقبلت الدنيا، فأحق الناس بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها و…».
ثم يقول مطهري: «طبعاً يبين لنا الإمام الصادق (ع) هنا حقيقة الأمر، ولكن على فرض أنه لم يفعل ذلك، فإنه ينبغي أن يكون لنا من التعقل وقوة الاجتهاد ما نتوصل به إلى أن هذه الأمور ليست متناقضة ولا متعارضة، وهذا الجمود الفكري موجود بكثرة وخصوصاً بين الإخباريين».
ويقول في مورد آخر: «لو عاش الإمام المعصوم بيننا لمدة أطول (250 عام) مثلاً، وواجه أنواع وأصناف صور القضايا، وبيّن لنا طريقة حل كل قضية من ظروفها، وملابساتها المختلفة، فإننا – حتماً – سوف نتعرف بشكل أفضل على روح التعاليم الدينية، وبالتالي نتحرر من الجمود الفكري وضيق الأفق.
وفي سيرة أئمة الدين (ع) لا يوجد شك في إن كلاً منهم كان يحيا في زمان معين، وإن زمان ومحيط كل واحد منهم كانت له اقتضاءات مختلفة.
وحيث إن كل إنسان يتوجب عليه بالضرورة أن يتبع مقتضيات زمانه، فإن الدين قد ترك الناس أحراراً من هذه الناحية، وفي صورة تعدد الأئمة المعصومين، وتعاقبهم، أو طول عمر واحد منهم، فإن الإنسان يتمكن بشكل أفضل من تشخيص روح التعاليم الدينية، وفرزها عمّا يكون ممتزجاً بها من مقتضيات الزمان، فيأخذ الروح ويترك الأمور المختصة بتلك المقتضيات».
ونختم بمثال آخر يذكره الشهيد مطهري: «سُئِلَ (ع) عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ (ص): غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ. فَقَالَ: إِنَّمَا قَالَ (ص): ذَلِكَ وَالدِّينُ قُلٌّ فَأَمَّا الْآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ فأمرؤٌ وَمَا اخْتَارَ».
وكان خدعة حربية لكي لا يظن الأعداء أن المسلمين آنذاك عبارة عن مجموعة من الشيوخ الطاعنين في السن، لا يقوون على الكرّ والفرّ، أما اليوم «فأمرؤٌ وَمَا اخْتَارَ»، ولو لم يكن هذا التوضيح من أمير المؤمنين (ع)، لكنا نفرض على الناس أن يتخضبوا أو يصبغوا لحاهم إلى يوم القيامة.

المصدر
كتاب خط الإمام الخميني | الشيخ جاسم المحروس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟