مواضيع

منهم من ينتظر

من كتاب نشيد الشهادة للأستاذ محمد سرحان

نص الوصية

إلهي! أيّها العزيز! لقد تخلّفت لسنوات عن القافلة، وقد كنتُ دومًا أدفع الآخرين إليها، لكنّي بقيت متخلّفًا عنها، وأنت تعلم أنّي لم أستطع أبدًا نسيانهم، فذكراهم وأسماؤهم تتجلّى دائمًا لا في ذهني بل في قلبي وفي عينيّ المغرقتين بدموع الحسرة.
يا عزيزي! جسمي يوشك على أن يعتلّ ويمرض، كيف يُمكن أن لا تقبل من وقف على بابك أربعين سنة؟ يا خالقي، يا محبوبي، يا معشوقي الذي لطالما طلبتُ منه أن يغمر وجودي بعشقه، أحرقني وأمتني بفراقك.
يا عزيزي! لقد تهتُ في الصّحاري نتيجة اضطرابي وفضيحتي وتخلّفي عن هذه القافلة؛ وأنا أتنقّل من هذه المدينة إلى تلك المدينة ومن هذه الصّحراء إلى تلك الصّحراء في الصّيف والشّتاء بدافع أملٍ [يخالج قلبي]. أيّها الحبيب والكريم، لقد عقدتُ الأملَ على كرمك، وأنتَ تعلم أنّي أحبّك. وتعلم جيّدًا أني لا أريد سواكَ، فدعني أتّصل بك.
إلهي، الخوف يغمر كلّ وجودي. أنا عاجزٌ على لجم نفسي، فلا تفضحني. أقسم عليك بحرمة أولئك الذين أوجبت حرمتهم على ذاتك، ألحقني بالقافلة التي سارت إليك قبل أن أكسر الحرمة التي تخدش حرمتهم.
يا معبودي، ويا عشقي ومعشوقي، أحبّك. لقد رأيتكَ وشعرتُ بك مرّات عديدة، ولا أقدر على البقاء بعيدًا عنك. إذن، اقبلني، لكن بالنّحو الذي أكون فيه لائقًا للاتصال بك.

هنا يخاطب الشهيد الله سبحانه وتعالى بشأن تلك الأمنية والطلب الذي طالما ألح به بنبرة صادقة دالة على شديد الشوق المختلط بالحسرة بعد أن قضى أربعين سنة في ساحات الجهاد يدفع بنفسه والآخرين نحو الشهادة، وإذ الشهداء من حوله يسقط الواحد تلو الآخر، وقد بقي هو ولسان حاله يقول: متى يا رب؟
الحاج من خلال عباراته يخاف من تقادم العمر واعتلال الجسم، ولم يظفر حتى لحظة الوصية بوسام الشهادة، إن هذا الصدق يشبه حالة مولانا أمير المؤمنين (ع) في حادثة نزول الآية الشريفة: <مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا>
عندها جاء إلى رسول الله (ص) باكيًا متحسرًا، كيف قضى صحبه جعفر والحمزة وعبيدة شهداء وبقي هو (ع)، عندها قال له رسول الله (ص): أما ترضى أن تكون من المنتظرين، فأولئك قضوا نحبهم وأنت ممن ينتظر.
فهكذا شهيدنا العزيز من المنتظرين الحقيقين الذين عشقوا الشهادة وطلبوا ما لدى الله من الجزاء الأوفى، وهذا وعد الله للصادقين والله لا يخلف وعده أبدًا.

الشوق إلى الله

هذا الشوق العظيم الذي يحمله قلب الشهيد مثله مثل أولئك الذين أتوا لرسول الله (ص) يريدون الجهاد، <تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ>.
تلك الدمعة الشريفة التي تتحسر على تقصيرها في حق الله تجدها في حالة إلحاحٍ شديد لإرضاء المحبوب والوصول إليه، لذا أمثال هؤلاء ينظر لهم ربهم نظرةٍ رحيمة فتتنزل عليهم البركات.
بمزيد من الصدق يناجي الشهيد ربه ويقسم عليه أن يلحقه بقافلة الشهداء، وفي نفحةٍ عرفانيةٍ لطيفة تعبّر عن عمق ارتباطه بالله يقول: «لقد رأيتكَ وشعرتُ بك مرّات عديدة، ولا أقدر على البقاء بعيدًا عنك».
هذه اللفتة تظهر عميق السلوك الروحي العرفاني حيث رأى الله في موقف الحقيقة، وخصوصًا في جبهات القتال في سبيل الله، حيث يستشعر تلك الرحمة والعظمة والعزة واللطف الإلهي، وهذا مصداق لقول السيد الإمام: «إن ما يبذله السالك في ستين عامًا يقضيه المجاهد في سبيل الله في ليلة واحدة».

المصدر
كتاب نشيد الشهادة - شرح وصية الشهيد القائد قاسم سليماني | الأستاذ محمد سرحان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟