مقالاتمواضيع

المواجهة المباشرة مع فرعون

<وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 10 قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ>

أمضى موسى الكليم (عليه السلام) السنين المتفق عليها (8 – 10 / سنوات) في خدمة نبي الله شعيب (عليه السلام) في أرض مدين من أطراف الشام مما يلي الحجاز قريباً من بحيرة لوط، ثم خرج متوجهاً بأهله إلى أرض مصر، وحين أدرك طور سيناء ليلاً وكان الجو بارداً، رأى ناراً من بعيد، فقال لأهله: امكثوا، أي: الزموا مكانكم، فهذه نار أراها عن بعيد، سأذهب إلى حيث أرى النار، وآتيكم منها بقبس نستضيء به أو جذوة نصطلي (نتدفأ) بها، فلما بلغ موضع النار، ووقف في ساحة القدس عند الشجرة، سمع نداءً ربانياً له: إني أنا ربك فأخلع نعليك تأدباً وتواضعاً، إنك بالوادي المقدس (المطهر) طوى، وأراه الله (عز وجل) بعض معجزاته، وأخبره أنه اصطفاه للنبوة والرسالة، وأمره بأن يذهب إلى القوم الظالمين، وهم فرعون وملؤه وقومه، الذين جمعوا بين الكفر بالله سبحانه وتعالى الذي هو ظلم من الإنسان لنفسه؛ لأنه يؤدي به إلى الهلاك في الدنيا وإلى الخلود في العذاب العظيم في نار جهنم في الآخرة، وبين الجور والتعدي على حقوق الآخرين وحرماتهم، ومنها: استعباد بني اسرائيل، وتعذيبهم باستخدامهم في الأعمال الشاقة، وذبح أبنائهم واستحياء نسائهم للخدمة وللمعاشرة الجنسية ظلماً وعدواناً، وبين العناد والمكابرة ضد الحق والفساد في الأرض، وهي من المعاصي والذنوب الكبيرة التي تنتهي كذلك بصاحبها إلى الهلاك في الدنيا والخلود في العذاب العظيم في نار جهنم في الآخرة، مما يعني أنه في الحقيقة ظلم كذلك للإنسان نفسه، أي: إن كل ظلم من الإنسان لغيره، هو في الحقيقة والواقع وفي المقام الأول ظلم من الإنسان الظالم لنفسه قبل أن يكون ظلماً لغيره، فكل ظلم للغير يبدأ بظلم الإنسان لنفسه يتمثل في المعصية التي تنتهي بالإنسان إلى العذاب المؤلم في الآخرة، وهذا يدل على أن للظلم معنى واسع جامع للعديد من الرذائل والمعاصي والذنوب الكبيرة، وأن عاقبته وخيمة على الإنسان في الدارين الدنيا والآخرة، وأن دعوات الأنبياء الإلهيين (عليه السلام) تركز على ضرورة مواجهة الظلم ومبارزته بجميع أبعاده الفكرية كالشرك والعملية كالجور والتعدي على حقوق الآخرين وحرماتهم الفردية والاجتماعية، التربوية والحضارية ونحو ذلك، ليبلغهم الرسالة الإلهية الجامعة إليهم، فقد كفروا بالله سبحانه وتعالى، وتكبروا على الحق، وأفسدوا في الأرض، وعلى أهلها بالقوة والبطش وحد السيف، وتجاوزوا كل الحدود في الظلم والطغيان والتجبر، وزعم كبيرهم ورأس نظامهم أنه إله وابن آلهة، وأنه الرب الأعلى للناس في مصر وتوابعها.

المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟