مواضيع

بداية ونهاية الإنسان

<مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ>

ثم أشار موسى الكليم (عليه السلام) إلى حقيقة وجودية رئيسيه أخرى، فقال: <مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ>[1]، أي: من تراب هذه الأرض خلقتم، أولياء وأشقياء، ملوكاً وصعاليك أغنياء وفقراء، نساءً ورجالاً، ونحو ذلك.

فالإنسان الأول آدم وحواء (عليهما السلام) خلقا من تراب الأرض، والنطفة التي يخلق منها الإنسان بالتزاوج مخلوقة من تراب؛ لأنها تتكون من الغذاء الذي هو من النبات الذي خلق من التراب، أو من الحيوانات التي تتغذى على النبات، فالإنسان مخلوق من التراب ويتغذى من التراب، وفي الحديث الشريف: «الأرض أمكم وهي برة بكم»، ويقول الشيخ جواد مغنية في شرحه: «أجل، هي أمنا لأنا منها ولدنا، وهي برة بنا لأنها تغذينا كما ترضع الأم وليدها»[2]، ثم إليها نعود تارة أخرى، حين نموت وندفن في الأرض، فتتفرق أجزاء بدننا وتتحلل وتصير تراباً، فتعود جزء من الأرض كما كنا من قبل، ثم نخرج من الأرض مرة ثانية عند البعث والنشور بتألف أجزاء الجسم من جديد على الصورة السابقة قبل الموت، وترجع الروح إلى الجسد، فتعود إلى الله رب العالمين سبحانه وتعالى؛ من أجل الحساب والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، بالثواب والعقاب.

فالنظام الكوني المحكم، يدل على الحكمة الإلهية البالغة، والقدرة العظيمة المطلقة، والهدفية التامة في الخلق، ومقتضى ذلك: أن تكون هناك حياة أخرى بعد الموت، وحساب وجزاء على الأعمال، وانقسام الناس إلى فريقين: فريق السعداء في الجنة، وفريق الأشقياء في النار، قول الله تعالى: <أَفَحَسِبْتُمْ أَنمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ>[3].

والآية موضوع البحث: تحمل دليلين عقليين على البعث والنشور:

الدليل الأول: أننا خلقنا من التراب أول مرة، وخلقت النطفة التي تكونا منها بالتزاوج من التراب أيضاً، وتغذيتنا من النبات الذي هو أيضاً من التراب، وهذا كله معلوم لدينا بالحس والمشاهدة. وعليه: فإعادة الخلق من أجل الحساب والجزاء في يوم القيامة في غاية الإمكان بحسب العقل والمنطق السليم.

الدليل الثاني: أن إخراج النبات الحي من الأرض بعد موتها، دليل واضح على إمكان إخراج الحي من الميت، أي: دليل على إمكان إحياء الموتى في يوم القيامة. وعليه: ففي النبات غذاء للأجسام، وغذاء للعقول والأرواح، إذ يستدل بها على وحدانية الله سبحانه وتعالى وحكمته وعظمته وحسن تدبيره والآخرة.

والآية الشريفة المباركة تبين لنا دورة الحياة الكاملة للإنسان التي تبدأ وتنطلق من الأرض، حيث يخلق الإنسان من التراب، ثم يعيش ويتربى جسمياً وعقلياً وروحياً على الأرض، ثم يموت ويدفن في الأرض، فتتفرق أجزاء جسمه وتتحلل وتتحول إلى التراب، فيعود جزءاً من الأرض لا يتميز عنها في شيء، ثم يبعث يوم الحشر والنشور للحساب والجزاء في يوم القيامة، والصيرورة إلى المصير النهائي: فريق السعداء في الجنة، وفريق الأشقياء في السعير.

وهذه الدورة الكاملة للإنسان في الحياة من المبدأ إلى المعاد، تكشف بكل تجلي ووضوح عن عظمة الخالق المدبر الرحيم الحكيم، وتقنع الإنسان بالتواضع لله  (جل جلاله)، وتبعده في حال التفكير فيها عن التكبر والطغيان؛ لأنه مصنوع من التراب الذي يوطأ بالأقدام، وعائد إلى التراب حيث يوطأ بالأقدام، وأن له رباً عظيماً كريماً يدبر أمره، وسوف يحاسبه ويجازيه على أعماله الحسنة بالثواب إلى أعلى عليين، وعلى أعماله السيئة بالعقاب وينحدر إلى أسفل سافلين في سجيل.

أي: إن كرامة الإنسان وسعادته في كماله العقلي والروحي، وليس في المال والثروة والجاه والسلطة ونحو ذلك، فإنها تنتهي به إلى أسفل سافلين في نار جهنم، حيث يتمنى حينها لو أنه بقي على حاله الأول تراباً، ولم يخلق إنساناً يختار المعصية لجبار السماوات والأرض، قول الله تعالى: <إِنا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا>[4].

وعليه: لا يصح منك يا فرعون بحكم العقل والمنطق والحقائق الكونية والسنن التاريخية أن تتعصب للآباء والأجداد والموروث الثقافي، وتكابر الحق وتهمل ما جئناك به من الحجج الباهرات والبراهين القاطعة وما بيناه لك ولملئك من الحقائق الساطعة، بل يجب عليك بحسب العقل والمنطق أنت وقومك أن تنظروا وتدققوا فيما جئناكم به من البينات، وفيما بيناه لكم من الحقائق والسنن الإلهية العظيمة، وأن تحسنوا الاختيار لأنفسكم قبل فوات الأوان؛ لتفوزوا بالسعادة الأبدية الكاملة والرضوان الإلهي العظيم والنعيم المقيم، ولا تتعصبوا لما لا ينبغي لكم التعصب إليه، وتنسوا أنفسكم مخالفين في ذلك العقل والمنطق والفطرة، فتخسروا أنفسكم وتكونوا من الهالكين والأشقياء في الدارين الدنيا والآخرة.


المصادر والمراجع

  • [1]. طه: 55
  • [2]. تفسير الكاشف، محمد جواد مغنية، جزء 5، صفحة 223
  • [3]. المؤمنون: 115
  • [4]. النبأ: 40
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟