مواضيع

شرف الحالة الفكرية والروحية للسحرة

ما صدر عن السحرة المؤمنين الكرام من الأقوال والأفعال الحسنة والمواقف البطولية النبيلة الشجاعة بعد الصحوة والتوبة والعودة المحمودة والرجوع إلى الله ذي الجلال والإكرام وحضن الإنسانية، يدل بوضوح لا لبس فيه ويقين لا شكّ فيه على شرف الحالة الفكرية العالية والحالة الروحية السامية التي صار إليها السحرة بعد الصحوة والتوبة وكمال إيمانهم ويقينهم والمسلك العشقيّ الراقي جدّاً في السلوك والعرفان والعلاقة مع المعشوق الكامل المطلق ذي الجلال والإكرام، والسؤال: كيف حصل للسحرة كل تلك التحولات الفكرية والروحية والسلوكية العميقة والوصول إلى هذا المستوى العالي من الكمال والتألّق الفكريّ والسمو الروحيّ والهدى والصلاح والاستقامة في السلوك والمواقف، مع أنهم حديثوا الإيمان، وكانوا قبل ذلك سحرة كفرة فجرة، يقفون إلى صف فرعون الطاغية المتجبر العنيد وإلى صف نظامه الفاسد وحكومته الجائرة، ويقولون بألوهية فرعون وربوبيته، وكانت لهم مساهمات فعّالة واسعة ودور كبير جداً في الحياة الدينية الوثنية ودعم النظام الملكي الفرعوني الفاسد، والدعاية إليه وتعزيز وجوده وتثبيته وترسيخه و بسط نفوذه في الوسط الشعبي والدفاع عن ظلمه وفساده وجرائمه وخياناته ومشاركته فيها، أي: كيف حدث هذا الانقلاب المفاجئ وصاحبته كل تلك التحولات العميقة الواسعة الشاملة، فكرياً وروحياً وسلوكياً، فتحولوا فجأة من سحرة كفرة مجرمين أشرار إلى مؤمنين صادقين في إيمانهم مصلحين أخيار أبرار، واعين ومدركين لحقائق الإيمان والتوحيد وأبعادها الفكرية والروحية والعملية على كافة الأصعدة، في مدة قصيرة جداً، بل صاحبت كل تلك التحولات العميقة الواسعة الشاملة لحظة الصحوة والتوبة ولم تتأخر عنها؟ وقد بلغ الانقلاب المفاجئ ووصلت التحولات إلى درجة أنهم كفروا بألوهية فرعون وربوبيته، وعارضوا نظامه ودولته وحكومته، وأعلنوا ذلك بكل صراحة ووضوح لا لبس فيه ولا غموض وبجرأة وشجاعة منقطعة النظير، أمام الجماهير المحتشدة في ميدان المبارزة في الصحراء، وبحضور فرعون وملئه ومعاونيه وأنصاره وكامل جهازه الديني والأمني والعسكري والسياسي والإداري والفنّي، ولم يرهبهم فرعون الجبّار العنيد وطغيانه وقسوته وما تحت يديه من الشرطة والجيش والمخابرات والعتاد وأحدث وسائل وأساليب وأدوات التعذيب، وقطعوا جميع العلاقات مع الملك والنظام وأربابه والقائمين عليه وتبرؤوا منهم جميعاً، وكفروا بعطايا فرعون وجوائزه ورعايته، ووقفوا إلى صفّ الحق والعدل والخير والفضيلة، وانضموا إلى صفوف المعارضة، ودافعوا بكل قوة وشجاعة وإصرار عن عقيدتهم ومبادئهم الجديدة، وعن إمامهم وقائدهم العظيم موسى بن عمران الكليم (عليه السلام) وعن قضيتهم العادلة ومطالبهم الإصلاحية والثورية المشروعة وموقفهم الجديد المعارض للملك والنظام، وتجاهلوا مكانتهم السابقة وحظوتهم عند الملك والنظام، وماوعدهم به فرعون من المكافأة الماديّة العظيمة والتقريب، أي: تجاهلوا الترغيب بالمصالح الدنيوية، كما تجاهلوا الترهيب وجبروت فرعون ونظامه وأجهزته وقسوتهم وبطشهم وتاريخهم الإجرامي وما توعدوهم به من العقوبات الشديدة المؤلمة، الجسمية والنفسية، وتغلبوا على سياسة فرعون ونظامه في الإخضاع وفضّ الضمائر وشرائها عن طريق الترغيب والترهيب أو مايعرف بسياسة العصا والجزرة، وعزموا على الشهادة في سبيل الله (عز وجل) والحق والعدل والخير والفضيلة والحرية والعزة والكرامة والمجد الشرف، واستقبلوها استقبال العاشقين للمعشوق بِوَلَهٍ وشجاعة منقطعة النظير، وبنفوسٍ كريمة راضية مرضية مطمئنةٍ ووجوهٍ مستبشرة، وسلكوا سبيل الإيمان والتوحيد والطاعة والتضحية والفداء عن وعيٍ كاملٍ، وأدلوا بحجج قوية ناصعة صاعقة، وبمنطق قوي سديد، وبراهين محكمة البنيان، وبيان بليغ مؤثر، وسألوا الله (عز وجل) لفرط عشقهم: أن يفرغ عليهم صبراً ويثبتهم لكي لا يمليوا أو يحيدوا عن الدين الحق والصراط المستقيم في تلك اللحظات العصيبة المصيريّة أمام شدة العقوبات وآلامها وصعوبة الفراق أو يلتفتوا إلى شيءٍ من حطام الدنيا الفانية وزينتها وزخرفها أو يحزنوا لشيءٍ فاتهم منها!!

والجواب: لقد كان لدى السحرة منهجية علمية ومنطقية سليمة، وساعدتهم خبرتهم العلمية والعملية الواسعة بفنون السحر وصناعته والمعرفة الدقيقة بأسراره وخباياه وخفاياه، على الإدراك السريع والمعرفة اليقينية بحقيقة المعجزة العظيمة التي جاء بها موسى الكليم (عليه السلام) من عند رب العالمين، وقطعوا بأنها ليست من السحر ولا مشابهة له ولا تمتّ إليه بصلةٍ من قريب أو بعيد، بل هي حقيقة فعلية واقعية تقف وراءها قوة غيبية أزلية أبدية مطلقةً فوق الطبيعة وفوق البشر ولايمكن أن يؤتى بمثلها عن طريق الاكتساب بالتعليم والتدريب ونحوهما، ومن الواجب عقلاً تقديس هذه القوة المطلقة الكاملة والخضوع المطلق إليها وطاعتها فيما تأمر به وتنهى عنه؛ لأنها تتصف بالعلم المطلق والقدرة المطلقة والرحمة الواسعة والحرص التام الكامل على هداية الناس وإرشادهم إلى مافيه خيرهم وصلاحهم وكمالهم ورفاههم وسعادتهم الحقيقية الكاملة في الدارين الدنيا والآخرة، ولا أحد من البشر أو من غيرهم يستطيع أن يقف في وجهها أو يحيل بينها وبين ما تريد. أي: أنَّ السحرة علموا بحقيقة التوحيد، وعلموا تبعاً لها بحقيقةِ المعاد و النبوة، وتوصّلوا إلى معرفة الحقائق الإلهية الرئيسية المترتبة عليها في الحياة العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وأدركوا الكثير من التفاصيل الدقيقة اللازمة منها، فكانوا بحقٍ يعلمون أيَّ طريقٍ يسلكون، ولماذا يجاهدون، ومن يكافحون ويعارضون، وأيَّ مصيرٍ حميدٍ وعاقبة حسنة ممدوحة ومستقبل مشرق ينتظرون!!

كما أنَّ السحرة كانوا يتمتعون بنفوس كريمة طيبة سخية وطبائع إنسانيّةٍ سليمةٍ خيرة، مثلّتِ الأرض الخصبة الصالحة لتلك التحولات العظيمة الواسعة، الفكرية والروحية والسلوكيّة، ولولا تلك الخصائص الطيبة والخيّرة للنفوس، وسلامة المنطقِ واستقامة المنهج في التفكير اللذين ربطا بين مصلحة الإنسان الحقيقية وحسن عاقبته ومصيره وسعادته في الدارين الدنيا والآخرة وبين معرفة الحقائق الإلهية والعمل بمقتضاها، لما كان لتلك التحولات العظيمة الواسعة أن تحدث، فلا يكفي لكي تحدث مثل تلك التغيرات والتحولات أن يأتي الخصم بالحجج الساطعة والأدلة القوية والبراهين المحكمة الواضحة المقنعة، أو أن يكتشف الإنسان بنفسه الحقائق لكي يسلّم لها ويتّبعها ويعمل بمقتضاها، فقد يكابر الإنسان ويعاند ويجحد بالحقائق وينكرها بلسانه ويعارضها في سلوكه ومواقفه حتى وإن كانت واضحة له كالشمس الساطعة ومقتنعاً بها تماماً وعن يقينٍ في داخل نفسه، قول الله تعالى: <وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا>[1] وذلك بسبب الاستغراق التام في التعصّب وعالم الدنيا والمادة والمصالح الدنيوية العاجلة الفانية ونحو ذلك.

ثم امتزج ما يتمتع به السحرة من الصلاح والخيريّة والطيبة والكرم وسلامة المنهج والمنطق مع الوعي الكامل بالحقائق الإلهيّة الرئيسية والتفصيلية، النظرية والعملية، حتى صارت حالتهم منشأً إلى حالة عشقٍ ملتهبةٍ ملأت أركان وجودهم وكيانهم كله وسيطرت على كامل أفكارهم ومشاعرهم وحركاتهم ومكانتهم، وهو عشقٌ لايعرف حدّاً ولا سدّاً، حتى أصبح الإيمان والتوحيد والعشق المحور الوحيد الذي تدور حوله الأفكار والمشاعر والحركات والسكنات، والموجّهَ والمرشدَ الوحيدَ لها، فلا تصدر عن شيءٍ أو تتوجه بشيءٍ غيره. ويعبَّرُ عن مثل هذا التحول العظيم والإنقلاب المفاجئ بقطع مسافة الألف ميل في لمح البصر، حيث تكون الطهارة الروحية وطيب النفس وحسن السجايا وسلامة المنهج في التفكير والمنطق وإخلاص النيّة وغيرها، هي العوامل الاختيارية التي يوفرها العبد الصالح في نفسه، وبسببها يتولى الله تبارك وتعالى أمر العبد بنفسه، فيهديه ويرشده ويسدد خطاه. فما حصل للسحرة المؤمنين الكرام من التحولات العظيمة العميقة الواسعة، كان بتأييدٍ وإمدادٍ إلهي، وما حصل لهم من الإيمان والعلم الغزير كان بإلهامٍ من الله تبارك وتعالى بسبب ماكانوا يتمتعون به من الطهارة والصدق والإخلاص ونحوها، ولا يمكن أن تحدث مثل هذه التحولات الفكرية والروحية والسلوكية بشكل مفاجئ إلا في ظلّ العنايات الغيبية والإمدادات الإلهيّة والتأييدات الربانيّة، وقد تكررت مثل هذه التحولات المفاجئة والعميقة والواسعة في العديد من النماذج التاريخية المعروفة في التجربة الإنسانية، مثل: زليخة بعد توبتها وعودتها إلى الله ذي الجلال والإكرام في عهد نبي الله يوسف الصدّيق (عليه السلام) في القرن الثامن عشر «18» قبل الميلاد، والسحرة الكرام بعد توبتهم في عهد نبي الله موسى بن عمران الكليم (عليه السلام) في القرن الثالث عشر «13» قبل الميلاد، وغيرهم الكثير .. الكثير، ولا زالت السُنّةُ الإلهيّة جارية إلى اليوم، وستبقى ما بقيتِ المسيرة أو التجربة الإنسانيّة إلى نهاية التاريخ على وجه الأرض، فكل مؤمن اختار سلوك طريق الحق والعدل والصدق والخير والفضيلة والحرية والعزة والكرامة والجهاد بشرف وإخلاص نيّةٍ، فسوف تشمله هذه السنّة ويحصل على العنايات الغيبية والإمدادات الإلهيّة والتأييدات الربانية، ولهذه السنّة طرفان، طهارة النفس وسلامة الطبع وحسن السجايا والصدق وإخلاص النيّة من جهة العبد واللطف والرحمة والتوفيق والتسديد والإمداد والعناية من جهة الله تعالى تبارك وتعالى، قول الله تعالى: <وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ>[2].


المصادر والمراجع

  • [1]. النمل: 14
  • [2]. العنكبوت: 69
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الأول | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟