مواضيع

إعلان السحرة إيمانهم أمام الجماهير المحتشدة في ميدان المبارزة

<وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ 120 قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ 121 رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُون>

أما السحرة الكرام، فلأنهم كانوا أكثر من تبين لهم الحق وتجلى في أعظم صوره؛ لأنهم كانوا يعرفون عن فنون السحر وصناعته ورموزه وأسراره وخباياه ما لا يعرفه غيرهم، فقد خروا فوراً وبصورة تلقائية لا تكلف فيها ولا تأخر ولا تردد ساجدين لله رب العالمين، قول الله تعالى: <وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ>[1] فالتعبير في الجملة يدل على التلقائية والفورية، وكمال تأثير آية موسى الكليم (عليه السلام) ومعجزته فيهم وإدهاشها إياهم، فلم يشعروا بأنفسهم حين شاهدوا عظمة المعجزة وظهورها عليهم وتجلي قدرة الرب الجليل الكاملة لهم، إلا وهم ملقون على الأرض من تلقاء أنفسهم ومن دون اختيارهم، أي: أن الحق بهرهم وأدهشهم، واضطرتهم الآية الإلهية الكبرى والمعجزة العظيمة إلى الخرور على الأرض ساجدين، إذ لم يتمالكوا أنفسهم لعظمة وهول ما رأوه وشاهدوه من الآيات والمعجزات، فكأنهم لشدة غرورهم قد ألقاهم ملقٍ من دون اختيار منهم، ودفعهم إلى الإقرار والاعتراف وإعلان الإيمان.

كما يدل سجودهم من حيث الكيفية والتوقيت والظروف المحيطة على غاية الصدق وكمال الإخلاص، ثم نادوا بأعلى أصواتهم، وقالوا: <آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ 121 رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ>[2] أي: صرحوا أمام ذلك الحشد الجماهيري العظيم، وبحضور فرعون وملئه ومعاوينه وجهازه الديني والأمني والعسكري والسياسي والإداري والفني وبشكل واضح وصريح لا لبس فيه ولا غموض، أنهم آمنوا برب العالمين الذي اتخذه موسى وهارون (عليهما السلام) رباً إليهما، وهو الخالق المالك المدبر للعالم بأسره، وقولهم: <رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ>[3] لئلا يتوهم متوهم من قوم فرعون القائلين بألوهيته، وأنه ربهم الأعلى، أو من غيرهم، بأنهم سجدوا لفرعون أو لأحد من أمثاله المدعين كذباً وزوراً للألوهية والربوبية بغير وجه حق ولا حجة ولا برهان صحيح، أو يسعى فرعون الطاغية كدأب الفراعنة والحكام المستبدين في كل عصر ومصر للتدليس على الناس، فيقول: إياي يعنون برب العالمين، فقطعوا بقولهم: <رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ>[4] الطريق على كل لبس وغموض وتدليس واستقلال من قبل أي طرف كان.

كما يدل ذكر موسى وهارون (عليه السلام) على تشريفهما من قبل السحرة وإعلاء مقامهما والإيمان بنبوتهما وصدق رسالتهما وعدالة قضيتهما وشرعية مطالبهما الإصلاحية الدينية والسياسية والحقوقية، والاستقبال بشوق بالغ لدعوتهما والتسليم المطلق لهما، إلى جانب الإيمان برب العالمين، مما يكشف عن الأثر القوي لجاذبيتهما في نفوس السحرة وقلوبهم.

فقد أدرك السحرة بوضوح ويقين الفرق بين السحر الذي جاؤوا به، والذي يعتمد على الحيلة والخداع والتمويه والتضليل ولا حقيقة له في الواقع، وبين المعجزة الإلهية العظيمة التي جاء بها موسى الكليم (عليه السلام) من عند رب العالمين  (جل جلاله)، ولها حقيقة واقعية فعلية فعّالة، على خلاف السحر الذي يفتقر إلى ذلك، فأذعنوا للحقيقة وآمنوا بها وأعلنوها بصراحة ووضوح وبكل شجاعة وجرأة أمام الجماهير الغفيرة المحتشدة في الميدان، وبحضور فرعون وملئه ومعاونيه وجهازه الديني والأمني والعسكري والسياسي والإداري والفني، ولم يخافوا ولم يهابوا ولم يترددوا، مما يدل على شجاعتهم وثباتهم وقوة إيمانهم وقناعتهم بصواب سلوكهم وموقفهم، أي: أن السحرة صدقوا بما جاء به موسى الكليم (عليه السلام) من الآيات الكبرى والمعجزات النيرات الباهرات العظيمة والبينات الواضحة والأدلة الساطعة القاطعة الدالة بيقين لا يقبل الشك على ربوبية رب العالمين وتوحيده، وعلى صدق نبوة موسى الكليم وهارون (عليهما السلام)، وصدق رسالتهما من رب العالمين الذي أيدهم وأمدهم بالمعجزات؛ لإثبات صدقهما وأمانتهما، من أجل هداية الناس وإرشادهم إلى الدين الإلهي الحق والصراط المستقيم والنهج القويم، وإلى الأعمال الصالحة والأخلاق الجميلة، التي فيها خيرهم وصلاح أنفسهم وأحوالهم وأوضاعهم الخاصة والعامة، وتحقق لهم الرفاه والسعادة الحقيقية الكاملة في الدارين الدنيا والآخرة، وتوصلهم إلى كمالهم الإنساني المقدر لهم واللائق بهم، كما تدل على عدالة قضيتهم التي يسعون فيها ويعملون من أجلها، وشرعية مطالبهم الإصلاحية الدينية والسياسية والحقوقية.

ويترتب على ذلك نفي صفتي الألوهية والربوبية عن فرعون الطاغية، وحصرهما في الله رب العالمين الحقيقي وحده لا شريك له، الذي هو رب واحد في العالم بأسره، الذي خلق العالم والمالك له والمدبر لشؤونه ولشؤون جميع الخلائق فيه، وهو وحده المستحق للعبادة والتقديس والطاعة، فلا طاعة لغيره بغير إذنه وعلى خلاف إرادته، وقد ثبت بالدليل القاطع الذي لا لبس فيه ولا شك ولا غموض ولا شبهة، أنه رب موسى وهارون (عليهما السلام) الذي بعثهما بالحق والعدل والصدق والخير والفضيلة، وأرسلهما إلى فرعون وقومه الأقباط وإلى بني إسرائيل وإلى الناس قاطبة في زمانهما، وإلى أن تنقضي دورة رسالتهما وتبدأ دورة رسالة جديدة، وأيدهما بما يثبت بشكل يقيني قطعي صدق نبوتهما ورسالتهما، وليس الرب الحقيقي هو فرعون ولا غيره من الذين ادّعوا الألوهية والربوبية كذباً وزوراً وبغير وجه حق ولا حجة ولا برهان. ويترتب كذلك إثبات كذب فرعون وضلاله وخيانته وظلمه وفساد نظامه.

إن إعلان السحرة لإيمانهم أمام ذلك الحشد الجماهيري الكبير، وبحضور فرعون الطاغية وملئه ومعاونيه وجهازه الديني والأمني والعسكري والسياسي والإداري والفني بجرأة وشجاعة منقطعة النظير، هو موقف إنساني نبيل، يسمو بالسحرة الكرام ويعلو بمقامهم، ويدل على سلامة طبعهم وفطرتهم وقوة منطقهم وإيمانهم وصدقهم وكمال إخلاصهم وثباتهم وعلو همتهم وقوة عزمهم وشدة قناعتهم بصواب سلوكهم وموقفهم، ولذا فاجأوا فرعون الطاغية وملأه، وكامل جهازه بموقفهم الإنساني السامي البطولي الشجاع، فلم يكن فرعون وملؤه ومعاونوه وكامل جهازه يتوقعون هذا الموقف منهم مطلقاً، وقد زاد موقفهم الإنساني البطولي من خطب الهزيمة على فرعون وملئه ومعاونيه وكامل جهازه، وجعل الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة وحرجاً عليهم. فقد وقع الموقف في تلك الأجواء المضطربة في ظل الصدمة النفسية المفاجئة القاسية التي أحدثتها معجزة موسى الكليم (عليه السلام)، وإبطال عمل السحرة وتلاشيه بالكامل كالصاعقة المفاجئة وغير المتوقعة على رؤوسهم فهشمتها وأحرقت قلوبهم وحيرتهم وأصابتهم باليأس وخيبة الأمل، أي: أنهم تعرضوا بشكل مفاجئ وغير متوقع لضربتين قاسيتين متتالتين، نزلتا على رؤوسهم كالصاعقة، وهما: بطلان عمل السحرة وهزيمتهم عن طريق المعجزة، ثم سجود السحرة طائعين وإعلان إيمانهم بالتوحيد والمعاد وصدق نبوة موسى الكليم وهارون (عليهما السلام) ورسالتهما من رب العالمين، وما يترتب على ذلك من آثار ونتائج وأبعاد نظرية وعملية، وانعكاسات جمة خطيرة، على النظام والدولة والمجتمع والملك.

فقد أتى فرعون الطاغية بالسحرة المحترفين المهرة من كل مناطق وأنحاء مصر، وبذل جهوداً جبارة مضنية، وأنفق أموالاً طائلة في حشدهم وتنظيمهم، وتحدى بهم موسى الكليم (عليه السلام) برجاء أن يبطل بسحرهم دعوته، ويخمد نار فتنة دينه وثورته، فإذا بالمشهد يتغير كلياً وتنقلب الأمور رأساً على عقب، فالسحرة الذين جاء بهم من كل مكان وتحدى بهم موسى الكليم (عليه السلام) وعلق عليهم الآمال لهزيمته، يستسلمون له طائعين غير كارهين، ويسجدون أمام الناس لرب العالمين، الذي هو رب موسى وهارون (عليهما السلام)، ويكفرون بألوهية فرعون وربانيته ونظامه، ويعلنون معارضتهما، ويصبحون في طليعة المؤمنين بالتوحيد وبنبوة موسى الكليم وهارون (عليهما السلام) وبرسالتهما وبعدالة قضيتهما وشرعية مطالبهما الإصلاحية الدينية والسياسية والحقوقية، غير مبالين بما يمكن أن يتخذه فرعون والنظام من إجراءات عقابية متوقعة وغير متوقعة؛ انتقاماً منهم، غير خائفين من ذلك ولا وجلين، وذلك حين رأوا الآيات والبينات، وظهر الحق واستبان، وزهق الباطل وتلاشى وغُلب.


المصادر والمراجع

  • [1]. الأعراف: 120
  • [2]. الأعراف: 121-122
  • [3]. نفس المصدر
  • [4]. نفس المصدر
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الأول | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟