مواضيع

التبصير وإقامة الحجة

من كتاب قراءة في بيانات ثورة الإمام الحسين لأستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

المناسبة

في طريق الإمام الحسين (ع) من مكة المكرمة إلى العراق، نزل في منطقة شراف، وهناك طلع عليه (الحر بن يزيد الرياحي) مع ألف فارس، وكانت لديه مهمة عسكرية كلفه بها (ابن زياد) وهي إجبار الإمام الحسين (ع) على الدخول إلى الكوفة. وكان (الحر الرياحي) يتعامل مع الإمام الحسين (ع) بأدب ولباقة. وبعد صلاة الظهر بإمامة الإمام الحسين (ع) خطب فيهم.. فحمد الله تبارك وتعالى وأثنى عليه وصلى على النبي محمد وآله وقال:

نص البيان – القسم الأول

«أيها الناس: إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله، يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمد (ص) أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين بالجور والعدوان، فإن أبيتم إلا الكراهية لنا، والجهل بحقنا، وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت علي به رسلكم، انصرفت عنكم»

قراءة في البيان ـ القسم الأول

تضمن هذا القسم من البيان الكثير من الحقائق والأفكار.. وهي كالتالي:

أولا – قوله (ع): «أيها الناس: إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله، يكن أرضى لله عنكم».

يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة.. منها:

النقطة الأولى: تختلف أنظمة الحكم في الأرض، وأن رضا الله سبحانه وتعالى يكون في إتباع النظام الإلهي الحق.. وهو النظام الذي يدعو إليه الإمام الحسين (ع).

النقطة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى، قد جعل على نظام الحكم الإلهي، أئمة هدى يدعون إليه ويطبقون أحكامه.. والمطلوب من الناس: معرفتهم وطاعتهم.

النقطة الثالثة: أن التمسك بأئمة الهدى القائمين على نظام الحكم الإلهي (في عصر الظهور والغيبة) يحتاج إلى التقوى ومخالفة الهوى ومقاومة الترهيب والترغيب من أئمة الجور، وعدم الخضوع لهم، فإن من يتبع الهوى، لا يتبع أئمة الهدى، ومن يخضع للترهيب والترغيب من أئمة الجور.. قد ينحرف عنهم فكريا وسياسيا.

ثانياً – قوله (ع): «ونحن أهل بين محمد (ص) أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين بالجور والعدوان».

يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة.. منها:

النقطة الأولى: أن أهل البيت (ع) هم أئمة الهدى الذين جعلهم الله تعالى على رأس نظام الحكم الإلهي، وهم أهل لذلك بما يتحلون به من الصفات.. مثل: العلم الكامل بالشريعة، والكفاءة في التدبير، والشجاعة، والعفة، والكرم. أما (يزيد بن معاوية) فليس له الحق (إسلاميا) في تولي الحكم الإسلامي (لا بالنص ولا بالتفويض من الأمة، ولا هو يتحلى بالصفات المطلوبة في الحاكم) وأن توليه للحكم يقوم على أساس القوة وفرض الأمر الواقع.. وهو أمر باطل شرعا وعقلا.

النقطة الثانية: أن (يزيد بن معاوية) بالإضافة إلى عدم شرعية حكمه، فإنه حاكم ظالم ومفسد في الأرض، وأن ظلمه ليس نابعا من مجرد المخالفة للأحكام الشرعية، وإنما بسبب طبعه الخبيث وأخلاقه الفاسدة.. وعليه: لا يوجد أساس عقلي ولا ديني ولا عملي للقبول ببقائه في الحكم، وتفضيله على الإمام الحسين (ع) بل على العكس من ذلك: توجد كل المبررات العقلية والدينية والعملية للثورة عليه وإقصائه عن الحكم، وإن السكوت على حكمه مخالف للعقل والفطرة والدين، وهذا ما لا ينبغي أن تفعله الشعوب الحية أبدا.

ثالثاً – قوله (ع): «فإن أبيتم إلا الكراهية لنا، والجهل بحقنا، وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت علي به رسلكم، انصرفت عنكم».

يتناول الإمام الحسين (ع) في هذا المقطع من البيان جانبا (عمليا) يقيم من خلاله الحجة البالغة على خصومه. فبعد أن أوضح لهم الأسس العقلية والدينية والعملية لأحقيته بالحكم والداعية إلى إقصاء (يزيد بن معاوية) وتقديمه عليه.. قال لهم: إذا كنتم لا تريدون الالتزام بهذه الأسس العقلية والدينية والعملية الداعية إلى إقصاء (يزيد بن معاوية) من الحكم وتقديمي عليه، فإنكم قد قدمتم إلي الدعوة للحضور إلى العراق، فإن كان رأيكم في ذلك قد تغير، فدعوني أرجع من حيث أتيت.

فرد عليه الحر: «إني لست من هؤلاء (يعني الذين كتبوا إليه) وإني أمرت أن لا أفارقك إذا لقيتك.. حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد».

فرد عليه الإمام الحسين (ع): «الموت أدنى لك من ذلك» وهذه هي حقيقة النفوس الأبية الكريمة (دائما) في مواجهة التحديات وعمليات الإهانة والإذلال والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان.

وبعد أخذ ورد.. قال الحر: «إني لم أؤمر بقتالك، وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة.. فإذ أبيت: فخذ طريقا نصفا بيني وبينك، لا يدخلك الكوفة، ولا يردك المدينة، حتى اكتب إلى الأمير (عبيد الله بن زياد) فلعل الله أن يرزقني العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك».. وعليه اتفق الطرفان.

وفي منطقة البيضة خطب الإمام الحسين (ع) فيهم ثانية، فحمد الله تبارك وتعالى وأثنى عليه.. وقال:

نص البيان ـ القسم الثاني

«أيها الناس: إن رسول الله (ص) قد قال في حياته: من رأي منكم سلطانا جائرا، مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهده، مخالفا لسنة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بقول ولا فعل، كان حقا على الله أن يدخله مدخله.. وقد علمتم أن هؤلاء القوم: قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق بهذا الأمر لقرابتي من رسـول الله (ص) وقد أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي بيعتكم، فقد أصبتم حظكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم، فلكم بي أسوة. وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسلام» ().

قراءة في القسم الثاني من البيان

يتضمن هذا القسم من البيان الكثير من الحقائق والأفكار.. وهي كالتالي:

أولاً – قوله (ع): «أيها الناس: إن رسول الله (ص) قد قال في حياته: من رأي منكم سلطانا جائرا، مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهده، مخالفا لسنة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بقول ولا فعل، كان حقا على الله أن يدخله مدخله».

لقد تجاهل (الحر الرياحي) الأسس الدينية والعقلية والعملية التي طرحها سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) الداعية لإقصاء يزيد عن الحكم، وتقديـم سبط رسـول الله (ص) الإمام الحسين (ع) كبديل عنه.. وتمسك بأمرين ذا بعد شخصي وهما:

الأمر الأول: أنه لم يكن من الذين كتبوا للإمام الحسين (ع).

الأمر الثاني: التكليف العسكري له من القيادة السياسية التي بايعها.

وهذا يدل على غياب التأسيس الفكري والقيمي للمواقف السياسية، مما يغيب المعايير الصحيحة لحكم عليها، وهذا ما يفعله الطواغيت والحكام المستبدون (دائما) بهدف التضليل وتحصيل الدعم الأعمى من الشعوب المستضعفة لمواقفهم الاستبدادية الظالمة، وهو مخالف (بالطبع) للمنهج الإسلامي العظيم، الذي يسعى دائما إلى التأسيس الفكري والقيمي للمواقف، لكي يعطي للمواقف السياسية هويتها، ويتيح للناس فرصة التقييم الدقيق والصحيح إليها.

لهذا نجد أن الإمام الحسين (ع) قد لجأ إلى أمر مباشر، وهو حديث من الرسول الأعظم الأكرم (ص) يأمر فيه المسلمين بالثورة على الحاكم المنحرف عن الدين، والذي يسير في الناس بالظلم والعدوان، ومن لم يفعل ذلك منهم، فإنه يغضب الله عز وجل وأن مصيره إلى النار، وهذا يدخل ضمن التنويع في قواعد التأسيس للمواقف.

فقد أشار الإمام الحسين (ع) بصورة مباشرة إلى جانبين.. وهما:

الجانب الأول: التحريض المباشر على الثورة استنادا إلى فتوى شرعية عن الرسول الأعظم الأكرم (ص) وهي ملزمة لكل مسلم.

الجانب الثاني: التخويف بالعذاب في الآخرة لمن يخالف الفتوى أو التكليف الشرعي.

وهذا يدل على أمور في غاية الأهمية، ينبغي علينا أن نتعلمها من المنهج الثوري للإمام الحسين (ع).. منها:

الأمر الأول: سعي الإمام الحسين (ع) لإعادة بناء نظام المعرفة وتشكيل وعي الأمة، وتطهير عقلها من الأفكار القاتلة للثورة، والداعية لمهادنة الظلم والطغيان وقوى الاستكبار، وليبعث فيها روح الحياة من جديد، فتحطم القيود والأغلال التي تمنعها من النهوض والانطلاق في المسار الصحيح لصناعة تاريخها الرسالي المشرق، مستفيدا مما يختزنه التراث الإسلامي العظيم من قوة التأثير، ليقدم لها معالجات جذرية للسكون المميت في حياتها كأمة تريد أن تشق طريقها بين الأمم كخير أمة أخرجت للنـاس، وقـد حرص الإمام الحسين (ع) على أن تلتحم في معالجاته وتأسيساته الفكرية والسياسية، معطيات الكتاب والسنة (الوحي) مع البراهين العقلية، والحكمة العملية، والقيم الأخلاقية، والمشاعر الفطرية للإنسان.

الأمر الثاني: أن المواقف النبيلة من الإمام الحسين (ع) مع خصومه والصبر عليهم، والنفس الطويل في معالجة أوضاعهم بشكل يتجلى فيه الإيثار والتضحية والحرص الشديد على هدايتهم، يدل على عدم وجود عداوة شخصية بينه (ع) وبين خصومه (وهذا حال كافة الثوار المؤمنين) فهو لا يريد لهم الشر، وإنما يريد لهم الخير والهداية، وأن خصومته هي في الحقيقة مع أطروحاتهم ومواقفهم المنحرفة عن الحق والعدل والخير والفضيلة.. وليست مع أشخاصهم. وهذا الحال أو الموقف من الإمام الحسين (ع) مع خصومه، ليس بسبب الضعف أو الخوف من الموت، وليس من أجل المصالح المادية والدنيوية، وإنما لأنه (ع) يحمل رسالة سماوية تريد الخير للناس جميعا، وهو يمتـلك كامـل الاسـتعداد لأن يضحي بنفسه وما يملك من اجلها.. وهذا ما أثبتته التجربة بما لا يدع أي مجال للشك عند أحد من العقلاء المنصفين.

ونتوصل من خلال هذا المقطع من البيان إلى النتائج المهمة التالية:

النتيجة الأولى: أن التكليف الأولي (الموقف الأصل) للمسلم هي الثورة على الباطل والظلم والاستبداد والاضطهاد والفساد، لأن الإسلام العظيم يريد تحقيق السعادة للإنسان، فلا بد له أن يحارب العوامل المضادة لها. وهو يستقبح الباطل والظلم والاستبداد والاضطهاد والفساد في الأرض، فلا بد له أن يحارب الظالمين والمستبدين والمفسدين، ولا يمكنه أن يقبل من المسلمين الرضا بهم (اختيارا) في مجتمعاتهم. ولهذا فالإسلام يرفض النظم التي تقوم على أساس الباطل والقهر والاستبداد ودعا إلى مجابهتها، وقد عظم قيمة الشهادة، ورفع من شأن الشهداء في سبيل الحق والعدل والفضيلة والحرية، واستقبح السكوت عن الباطل والظلم والفساد والاستبداد.. واعتبر الساكت شيطان أخرس.

أما العلماء المسلمون: فيعتبرون الثورة على الظلم والانحراف ميل فطري لدى الإنسان السوي، وحكم عقلي أقرته الشريعة الإسلامية المقدسة، والثورة في الإسلام جزء من التكليف الشرعي للإنسان المؤمن، من أجل إقامة الحق، وإشاعة العدل والسلام والخير والفضيلة في المجتمع، ومن يتخلى من المسلمين عن هذا التكليف (بدون عذر) فإن مصيره إلى النار وبئس القرار.. مع التأكيد على ثلاثة أمور أساسية وهي:

الأمر الأول: أن ممارسة هذا التكليف (الثورة) تحتاج إلى غطاء شرعي، ووجود الحاكم الشرعي ضروري منذ اللحظة الأولى (بحسب فتوى بعض الفقهاء).

الأمر الثاني: أن التعاطي المرحلي مع النظام الظالم، ينبغي أن يكون على حذر، بحيث لا يستغل لصالح النظام المستبد الظالم، ولا يسمح بإطالة عمره وتدعيم أركان وجوده.

الأمر الثالث: أن السكوت على الظلم يحتاج إلى عذر وتبرير عقلي واقعي وإلى رخصة شرعية من القيادة الإسلامية الشرعية العليا.

النتيجة الثانية: أن البيعة لا تعطي الشرعية، وأن قيمتها حينما تأتي مع الشرعية، وتفيد الوقوف العملي إلى صفها، وهي غير ملزمة، ولا قيمة لها مع عدم توفر الشرعية.

النتيجة الثالثة: أن ما احتج به (الحر) لا يلغي مسؤوليته الدينية والاجتماعية في الثورة على (يزيد) ونصرة الإمام الحسين (ع) لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ثانياً – قوله (ع): «وقد علمتم أن هؤلاء القوم: قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله (ص)».

يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة.. منها:

النقطة الأولى: أن التجربة العملية للمسلمين مع حكم (يزيد بن معاوية) تشير إلى انحرافه في نفسه عن الدين، وإظهاره للفساد والظلم في المجتمع، مما يوجب (شرعا وعقلا) الثورة عليه.. وإن زعم القائمون على السلطة وأبواقهم المأجورة (كما هي العادة في كل زمان ومكان) خلاف ذلك.

يقول (عبيد الله بن زياد) في خطاب له في مسجد الكوفة، يحرض فيه أهل الكوفة على حرب الإمام الحسين (ع): «أيها الناس: إنكم بلوتم آل أبي سفيان، فوجدتموهم كما تحبون.. وهذا أمير المؤمنين (يزيد) قد عرفتموه: حسن السيرة، محمود الطريقة، محسنا إلى الرعية، يعطي العطاء في حقه، وقد أمنت السبل على عهده، كذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه (يزيد) يكرم العباد ويغنيهم بالأموال، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن أوفرها عليكم، وأخرجكم إلى حرب الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا».

النقطة الثانية: أن البديل عن (يزيد) في الحكم، هو الإمام الحسين (ع) نظرا لقرابته من الرسول الأعظم الكرم (ص) فهو الأعلم بدينه، والأكثر أمانة عليه، والأصدق في تطبيق منهجه، والقيام بالعدل في أمته، وقد أوصى الله تبارك وتعالى الأمة برعاية أهل بيت النبوة.

قال الله تعالى: <تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ 22 ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ>.

ثالثاً – قوله (ع): «وقد أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي بيعتكم، فقد أصبتم حظكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم، فلكم بي أسوة. وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم».

يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة.. منها:

النقطة الأولى: الإشارة إلى ما جاءه من الكتب والرسل من أهل الكوفة، وهذه النقطة قد تكرر ذكرها في بيانات ثورة الإمام الحسين (ع) وهي تدل على عدة أمور أساسية.. منها:

الأمر الأول: أهمية تكرار بعض الحقائق لترتيب الأثر المطلوب في النتيجة.

الأمر الثاني: التأكيد على أن الإمام الحسين (ع) معذور (عقلا وشرعا) في قدومه إلى الكوفة، وهذا يفرض التعاطف معه من قبل كل إنسان غيور، ولو بالتوصل إلى الحلول الوسطى.. وعدم القبول بقتله فضلا عن المشاركة فيه.

الأمر الثالث: التأكيد على خيانة الذين تخلوا عن نصرته بعد مراسلته، مما يساعد أصحاب الضمائر على التعاطف معه ونصرته ضد هؤلاء الخونة، وهذا يدخل ضمن التأسيس الاجتماعي والقيمي للمواقف.

النقطة الثانية: الإشارة إلى النتائج الإيجابية للوفاء بالبيعة (في دائرتها الشرعية) والنتائج السلبية لنقضها، وتحذيرهم من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.

النقطة الثالثة: تذكيرهم بتاريخهم السيئ في نقض البيعة مع أبيه وأخيه وابن عمه (مسلم بن عقيل) وهذا يدل على سوء طبعهم وخيانتهم، وكان قد تجنب قبل ذلك الإشارة إلى هذا الموضوع، ولكن مع تكرار الخيانة، رأى الإشارة إليها وإلى دلالتها الأخلاقية وعواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة.. بهدف الردع عنها.

قال الله تعالى: <يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ>.

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): «إياكم والخيانة، فإنها شر معصية، فإن الخائن لمعذب بالنار على خيانته».

وقال (ع): «غاية الخيانة خيانة الخل الودود ونقض العهود».

النقطة الرابعة: تأكيده (ع) على أن خيانتهم له ونقضهم لبيعته، لن يحمله على التراجع عن الثورة، فقد حزم حقائبه للسير في طريقها، وهو مصمم على المضي فيها حتى نهايتها.. وحتى يحكم الله بينه وبين القوم الظالمين وهو خير الحاكمين.

النقطة الخامسة: الإشارة إلى العلاقة التي سوف تربطه بهم كقائد، فسوف يكون متواجدا معهم في المحن والأزمات الصعبة والأوضاع الخطيرة كواحد منهم، يتحسس آلامهم وهمومهم ويخدم قضاياهم، وسوف يربط مصيره بهم، ولن يتخلى عنهم.. لأن القيادة في وجهة نظره تهدف: إلى خدمة الناس وسعادتهم، والقضاء على الظلم والتخلف والاستبداد والفساد قربة إلى الله تبارك وتعالى وليس السيادة من أجل رضا النفس والسيطرة على ثروات الشعوب ونهبها.

إن هذه العلاقة بين القيادة والقاعدة: تعتبر الأسلوب الأكثر تأثيرا في تحريك الأمة في كافة القضايا الكبيرة والمصيرية في حياتها، وضمان ديمومة الثورة والدولة ونجاحهما في تحقيق أهدافهما، وأن تبقى الثورة والدولة في خدمة عامة الناس ولا سيما المستضعفين منهم، وتحصين الشعوب والثوار من اختراق القوى المضادة لهما، وأن أي نظام سياسي لا يقوم على أساس إرادة الناس وخدمة مصالحهم، ويحظى بتأييدهم له.. لا يمكن أن يكتب له البقاء والنجاح.

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في عهده لمالك الأشتر: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم.. فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط (يسبق) منهم الزلل، وتعرض منهم العلل، ويؤتى على أيديهم (السيئات) في العمد والخطأ، فأعطهم عفوك وصفحك، مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك».

يقول آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (أمد الله تعالى في ظله المبارك): «إن القيادة التي تعتبر نفسها جزءا من الجماهير هي القيادة التي يمكن أن تنفع الجماهير وتغيرها. أما القيادة ا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى