مواضيع

المبارزة التاريخية الفاصلة وظهور الحق وتجليه للجميع

<قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ 115 قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ 116 وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ>

حل اليوم الموعود للمبارزة، وهو يوم الزينة، وحضرت جماهير غفيرة جداً لمشاهدة النزال بين السحرة وبين موسى الكليم (عليه السلام)، والوقوف على نتائجه المصيرية والفاصلة، وكان للتحريض والحث الشديد للجماهير على الحضور من قبل الإعلام الفرعوني باسم الملك الإله (فرعون) الذي هو الرب الأعلى لهم، والأسباب المثيرة جداً التي دعت لتنظيم المبارزة، وما يترتب عليها من نتائج تاريخية مصيرية حاسمة ومفصلية، و أبعاد واسعة وعميقة جداً دينية وثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها، وانعكاساتها الشاملة على النظام والدولة والحكومة والمجتمع والملك، كلها عوامل ساعدت على زيادة الحضور وتفاعله وخلقت عظمة المشهد، وتدل على أن فرعون الطاغية وملئه الفاسدين، كانوا واثقين تمام الثقة ومطمئنين كامل الاطمئنان إلى انتصار السحرة على موسى الكليم (عليه السلام) أو كسب المعركة عن طريق التضليل على الأقل، بأن تنخدع الجماهير بكثرة وعظمة ما يأتي به السحرة فلا يميزون بين السحر وبين المعجزة، وهذا يكفي فرعون وملئه، إذ يعملون على توظيفه إعلامياً في المواجهة مع موسى الكليم (عليه السلام) وتحقيق أهدافهم السياسية في المعركة الدائرة بينهما.

وكان السحرة قد هيئوا كل مقدمات العمل، وكانوا على كامل الاستعداد والجهوزية للمبارزة، وكانوا واثقين من أنفسهم ومن مهاراتهم ومهنيتهم وقدراتهم ومواهبهم وخبراتهم التي لا تبارى ولا تجارى في السحر، وكان موسى الكليم (عليه السلام) وحيداً ليس معه إلا الله (عز وجل) وأخوه هارون (عليه السلام) في الظاهر، ومعجزتهما وآيتهما واحدة ومشتركة بينهما وهي العصا، مواجهان الجيش العرمرم والمجموعة الهائلة من السحرة المهنيين المهرة الحاذقين، وأمام ذلك الحشد الهائل العظيم من الجماهير الغفيرة، الذين قدموا لمشاهدة النزال والمبارزة التاريخية الفاصلة بين السحرة وبين موسى الكليم (عليه السلام) وما ينجم عنها من نتائج، ومعظمهم من الموالين إلى فرعون ونظامه ودولته، ويؤيدون السحرة ويناصرونهم على موسى الكليم وهارون (عليه السلام)، وبحضور فرعون الطاغية بما يمثله من رمزية خرافية هائلة، وكامل جهازه الديني والأمني والعسكري والسياسي والإداري بما يمثله من هيبة وسطوة.

وعليه: التفت السحرة في غرور خاص وثقة كبيرة منهم بأنفسهم وقدرتهم على الغلبة إلى موسى الكليم (عليه السلام) وخيروه بين أن يبتدئ هو بإلقاء عصاه ويتأخرون هم، وبين أن يبتدؤوا هم بإلقاء ما يريدون ويتأخر هو، فقالوا له: <إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ>[1] فلم يكونوا مبالين بأمر موسى الكليم (عليه السلام) ولم يكونوا مكترثين بما عنده؛ لوثوقهم بالنصر والغلبة عليه، حيث كانوا يتوهمون بأن ما عنده هو مجرد سحر كسحرهم، حيث أخبرهم فرعون وأغراهم به، وموسى لم يكن معروفاً عندهم من أرباب السحر وكبار أساتذته ومعلميه وممتهنيه، ومهما كان مبلغ علمه، ومهما كان متقدماً ماهراً وحاذقاً في السحر، فلن يستطيع أن يغلبهم وينتصر عليهم؛ لأنه واحد وهم كثر وليس لديه إلا العصا، ولأن عندهم ما ليس عند غيرهم من العلم الجم بالسحر والتدريب منقطع النظير على مختلف فنونه، ولا يجاريهم أحد في المهارة والحذق والمهنية في صناعة السحر، ولديهم آلاف الحبال والعصي بمختلف الأطوال والأحجام وغيرها، فكانوا على ثقة تامة بأنهم هم الغالبون والمنتصرون في هذه المبارزة حتماً، سواء بدأ موسى الكليم بإلقاء عصاه وكانت له فرصة السبق، أم بدؤوا هم بإلقاء ما يريدون وتأخر موسى الكليم (عليه السلام)، وقيل: كان تخيير السحرة لموسى الكليم (عليه السلام) بقولهم: <إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ> تأدباً منهم واحتراماً له كما يفعل أهل الفن والصناعات إذا التقوا، أو لما ظهر عليه من سمات العظمة الروحية والثقة التامة بالنفس في مواجهتهم، واستشعروه من الهيبة منه في داخل أنفسهم، وقيل أيضاً: فيه ما يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله.

فاختار موسى الكليم (عليه السلام) أن يكونوا هم المتقدمين عليه بإلقاء ما يريدون ويتأخر هو، لتكون لهم فرصة السبق غير مبال بكثرة جمعهم ولا هائب لما جاء به من السحر وما لديهم من المهنية والمهارة والحذاقة والخبرة، وما تمرسوا فيه من الحيل والخداع والتمويه والتضليل، فأجابهم بمنتهى الثقة والاطمئنان وقال لهم: (ألقوا) أي ابدأوا أنتم أولاً بإلقاء ما تريدون، وأفرغوا كل ما في وسعكم من الجهد والطاقة، وأخرجوا كل ما عندكم مخزون في جعبتكم من العلوم والفنون والمهارات والقدرات والخبرات والحذق، وما تمرستم عليه من الحيل والكيد والكذب والخداع والتضليل، لكي يراه الناس ويشاهدوه بأم أعينهم، ويعظم في أنفسهم غاية ما ترغبون أن يعظم، ويشهدوا لكم بالإنصاف وبشكل مستقل وبدون القياس على عمل غيركم بعظمة عملكم، ثم يرون فعل العصا التي هي معجزة عظيمة وآية كبرى من عند رب العالمين في إبطال ما جئتم به من السحر، فيعلم عموم الناس المتفرجين على المشهد، وتعلمون أنتم خصوصاً؛ لأنكم أصحاب المهنة وأهل الفن، ويعلم فرعون الطاغية وملؤه الذين نظموا هذه المبارزة من أجل معارضة معجزة رب العالمين بالسحر، الفرق العظيم الذي لا يقاس، بين باطل السحر وبين حقيقة المعجزة، وبين الوهم والخداع والتضليل الذي يقوم عليها السحر وبين الحقيقة والواقعية والفعلية الفاعلة التي تقوم عليها المعجزة، فيكون ذلك التقدم منكم والتأخر منه، أظهر للحقيقة كما هي، وأقرب للإنصاف وأبلغ في التأثير في نفوس المشاهدين، وأكمل في إيصال الرسالة الإلهية، وأتم في إقامة الحجة على الجميع، فلم يكن موسى الكليم (عليه السلام) مبالياً بكثرة السحرة، ولا عابئاً بجمعهم، ولا هائباً من مهاراتهم وحذقهم وخبراتهم، بل كان مستخفاً بسحرهم وغير مكترث بالأجواء الرهيبة التي كانت تحيط بالمشهد؛ لأنه يعلم علم اليقين بأن ما عنده معجزة وحقيقة فعلية تقف وراءها قوة أزلية مطلقة، لا تبارى ولا تجارى ولا تغلب ولا تقهر، وما عند السحرة مجرد حيل وتضليل وتمويه وخداع لا واقع له ولا حقيقة وراءه، وكان في منتهى الثقة بالتأييد والإمداد الإلهي له، والاطمئنان التام بالنصر والغلبة على السحرة، وظهور الحقيقة تامة جلية لجميع الحاضرين أو المتفرجين على المشهد في الميدان كما وعده ربه القادر على كل شيء وهو لا يخلف الميعاد، وقيل: كان إعطاء موسى الكليم (عليه السلام) للسحرة فرصة السبق بإلقاء ما يريدون قبله كرماً منه عليهم وتسامحاً معهم؛ لأنه أعطاهم ما كانوا فيه راغبين، وإظهاراً لأخلاق النبوة والإيمان، وثقةً بما كان بصدده من المعجزة، وبالتأييد الإلهي له، ولتمام الحجة على أعدائه وخصومه وجميع من حضر المشهد.

فاستجاب السحرة لما تكرم به موسى الكليم (عليه السلام) عليهم، وأخذوا بالخيار الذي فضلهم به على نفسه، فبدؤوا بإلقاء ما يريدون إلقاءه، فألقوا بعشرات الألوف من الحبال والعصي المتفاوتة الأحجام والأطوال: الطويلة والمتوسطة والقصيرة، المعدة سلفاً لهذا الغرض، ألقوا بها في وسط الميدان في ظل تصفيق وتشجيع الجماهير المتفرجة لهم، وقيل: كانت الحبال والعصي معبأة بمواد كيميائية خاصة تبعث على حركتها مع إدخال عوامل فيزيائية، مثل: حرارة الشمس. ورياضية عليها، وهي عوامل تخفى على إدراك وفهم عوام الناس، أي: اعتمدوا على الخواص الكيميائية والفيزيائية والرياضية الغامضة الموجودة والمؤثرة في الأشياء والمواد الموجودة لتحريكها، بحيث تبدوا في أعين الناس وكأنها حيات وثعابين فعلية تتحرك وتسعى من تلقاء نفسها، وأن تحولها وحركتها أمر خارق للعادة، بينما هي في الحقيقة والواقع لا تزال حبالاً وعصياً لم تتغير في حقيقتها ولم تتحول عن طبيعتها الأولى، وأن ما ظهرت فيه وكأنها حيات وثعابين، ما هو إلا مجرد إيهام وتضليل وخداع ظاهري في عيون المشاهدين، وليس له واقع وليس وراءه حقيقة، أي: أنها بدت في الظاهر وتراءت في عيون المتفرجين الناظرين كأنها حيات وثعابين حقيقة تتحرك ويسعى ويركب بعضها بعضاً، بسبب العوامل الطبيعية الكيميائية والفيزيائية، وتركيبها وفق معادلات رياضية محسوبة علمياً بدقة بالغة على أيدي علماء مهنيين مهرة (السحرة)، لكنها في الحقيقة والواقع لا تزال حبالاً وعصياً ولم تتحول عن طبيعتها إلى حيات وثعابين حقيقة، وقيل: كانت المواد الكيمائية تتحول إذا سطعت عليها الشمس إلى غازات خفيفة تؤدي إلى الحركة في الحبال والعصي.

وقد جاء السحرة وفق مقاييس وموازين ومعايير وقواعد السحر المعروفة والمعمول بها في السحر، بسحر عظيم جداً، بهروا به أعين المشاهدين جميعاً، حيث بدت الحبال والعصي بمختلف أطوالها وأحجامها، وكأنها حيات وثعابين حقيقية عظيمة، وأخذت تهتز وتتحرك وتسعى حتى ملأت الوادي وركب بعضها بعضاً، فخاف الناس خوفاً شديداً، وفزعوا لهول ما رأوه وشاهدوه، ولم يشاهدوا له نظير من قبل، وانبهروا لفرط ما فيه من المهارة والحذق والحرفية والمهنية، قول الله تعالى: <فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ>[2]، أي: أضلوا عيون الناس عن صحة وسلامة إدراكها، فخيلوا إليها الحقيقة على خلاف ما هي عليه، بأن احتالوا في تحريك الحبال والعصي بما جعلوا فيها من مواد كيميائية وما وظفوه معها من عوامل فيزيائية ومعادلات وحسابات رياضية في غاية المهنية والدقة، فجعلوا أعين الناس تدرك أشياء لا حقيقة لها في الخارج بسبب الخداع العلمي والتمويه والتظليل الذي تخفى أسبابه عن عوام الناس، ونسبة السحر إلى الأعين في قوله تعالى: <سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ>[3] تدل على أن سحرهم لا واقع له، وإنما هو مجرد حيل وتمويه وخداع وتضليل لا يتجاوز الظاهر إلى الحقيقة الفعلية الواقعية، وهو الأمر الذي دأب عليه المشعوذون والسحرة وأهل خفة الحركة.

وقد نجح السحرة في إدخال غاية الخوف والرهبة في قلوب المتفرجين الحاضرين في الميدان الناظرين للمشهد، بأن خيلوا لهم بأن الوادي ممتلئ بالحيات والثعابين حقيقية يركب بعضها بعضاً، وعبارة (واسترهبوهم) تدل على أن السحرة كانوا يطلبون ويهدفون إلى إرهاب الناس وإدخال غاية الخوف والفزع إلى قلوبهم من أجل التأثير عليهم غاية التأثير وكسب تأييدهم والحكم لصالحهم في المبارزة.

وكان المشهد الذي أوجده السحرة وما تركه من تأثير على المشاهدين، يدل على أنه كان مهيباً ومدروساً وفي غاية الدقة والحذق والمهنية والمهارة، بحيث يصدق عليه بحسب مقاييس ومعايير وموازين وقواعد السحر، أنه سحر عظيم ومهم، لا نظير له، بهر أعين الناس واستوقفهم لعظمته، مما يدل على أن السحرة كانوا على درجة عالية من العلم والتدريب والخبرة والمهارة والحذق والجودة والدقة في عملهم، وأنهم قد بلغوا الغاية والنهاية في إتقان الفن وجودته، وعليه تعالت صيحات الابتهاج والفرح والسرور، واعترت الحشد الغفير من الجماهير الموالية للنظام الملكي ولفرعون نشوة النصر وحالة عارمة من الحيوية والنشاط، واستبشروا بالنصر القادم الذي ظهرت علائمه وبشائره للأنظار، واستبشر فرعون وملؤه كذلك، وتيقنوا من النصر والغلبة وعلت وجوههم ابتسامات الرضا، ولمع في عيونهم بريق الأمل، رغم أنهم لم يروا إلا عمل طرف واحد، ولم يروا عمل الطرف الآخر المنافس، ولم يشكك أحد في قدرات السحرة ومهاراتهم ومواهبهم وتجاربهم وخبراتهم، فمصر تعج بالسحرة المهرة الحاذقين وتموج بسحرهم الهائل العظيم، ولكن الرهان على أن يثبت هذا السحر رغم عظمته في فنه أمام المعجزة العظيمة التي تقف وراءها قدرة إلهية أزلية مطلقة؟ هذا هو الرهان.

وفي الحقيقة فقد أوجس موسى الكليم (عليه السلام) خيفة في نفسه، لم يظهر أثرها في الخارج ولم تؤثر في سلوكه وحركاته وسكناته، بل كانت مخفية مستورة في داخل نفسه لم يعلم بها سواه إلا الله رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتلك الخيفة الصغيرة البسيطة المستورة في داخل نفس موسى الكليم (عليه السلام) ليس بسبب عظمة السحر وهيبته وضعف ثقته بما هو بصدده من المعجزة، أو ضعف ثقته بربه وضعف يقينه بصدق ما وعده به من النصر وظهور الأمر، وإنما بسبب ما يمكن أن تتركه عظمة السحر الذي جاء به السحرة ورهبته وهيبته من أثر بالغ في نفوس الجهلة من الناس، إلى درجة تصعب إزالته من نفوسهم وإرجاعهم إلى الحق، أي: كان خوفاً على الناس من الضلال بسبب ما يعرض لهم من اللبس وعدم التمييز بين السحر وبين المعجزة.

وفي ظل ذلك شد الله (عز وجل) من أزر موسى الكليم (عليه السلام) وعزمه وربط على قلبة وثبته، وأوحى إليه أنه معه يؤيده وينصره، وأن ما جاء السحرة رغم عظمته وأهميته في فنه، إلا أنه ليس بشيء أمام ما هو بصدده من المعجزة، فما جاء به السحرة إنما هو مجرد افتعال يعتمد على الحيلة والخداع والتمويه والتضليل، وما هو بصدده من المعجزة حقيقة فعلية فعالة قوية وشديدة التأثير، فالنصر والغلبة ستكون حليفته وإلى جانبه حتماً، وستظهر الحقيقة وتلمع وتنكشف للجميع وتعلو، وأمره بأن يلقي عصاه من يده على الأرض، فألقاها كما أمره رب العالمين، فإذا تتحول فجأة وبمجرد أن ألقاها إلى ثعبان عظيم الجثة طويل لا مثيل له ولا نظير في نوعه ولم يشاهد مثله من قبل، وأخذت في الحال تفعل فعلها وتبتلع بسرعة مذهلة وقوة فائقة لا مثيل لها ما جاء به السحرة من الحبال والعصي الطويلة والمتوسطة والقصيرة، وسحروا به أعين الناس، فتراءى للناظرين في قوة الوهم والخيال بأنها حيات وثعابين حقيقية تملأ الوادي ويركب بعضها بعضاً في مشهد مهيب ورهيب، وهي في الواقع مجرد وهم يعتمد على الحيلة والتمويه والخداع والتضليل ولا حقيقة لها، فابتلعتها جميعاً حتى أتت على آخرها، فتلاشت ولم يبق منها شيء، قول الله تعالى: <وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ>[4] أي: أعدم الله (عز وجل) بقدرته تلك الحبال والعصي التي كانت تملأ الوادي في شكل حيات وثعابين، أو جعلها أجزاء لطيفة أو دقيقة جداً لا ترى ولا يظهر لها أثر في باطن العصا، وكلا الأمرين، إعدامها حتى كأنها لم تكن، أو تحويلها إلى أجزاء لطيفة أو دقيقة في باطن العصا، هما ما لا يقدر عليه البشر لا بسحر ولا بغيره من العلوم والفنون المكتسبة بالتعليم والخبرة والتدريب، فبطل بفعل العصا (المعجزة) جميع ما فعله السحرة، وبطلت المعارضة بين السحر وبين المعجزة من الأساس، وظهر الحق وبان عياناً وانكشف للجميع وعلا.

ولما انتهت المبارزة واستبانت الحقيقة تامة بشكل جلي واضح لا لبس فيه ولا غموض ولا شك، أخذ موسى الكليم (عليه السلام) العصا بيده ورفعها عن الأرض، فعادت إلى طبيعتها الأولى كما كانت من قبل، فكانت العصا معجزة بتحولها إلى ثعبان عظيم، ومعجزة بعودتها في الحال إلى طبيعتها الأولى بمجرد أن أخذها موسى الكليم (عليه السلام) بيده النورانية المباركة ورفعها عن الأرض.


المصادر والمراجع

  • [1]. الأعراف: 115
  • [2]. الأعراف: 116
  • [3]. نفس المصدر
  • [4]. الأعراف: 117
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الأول | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟