مواضيع

استجابة النداء

من كتاب قراءة في بيانات ثورة الإمام الحسين لأستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

المناسبة

لما نزل الإمام الحسين (ع) في مكة المكرمة، كتب إليه أهل الكوفة أفرادا وجماعات كتبا كثيرة، يطلبون منه القدوم إليهم، لأنهم (كما يقولون) بغير إمام، فهم لم يجتمعوا مع والي يزيد (النعمان بن بشير) في جمعة ولا جماعة، وأنهم لا يريدون غير الإمام الحسين (ع) حاكما عليهم، وأنهم جند له مجندة، وكان من الذين كتبوا له: قادة سياسيون ووجهاء في الكوفة، حتى بلغ عدد الكتب التي اجتمعت عنده ما يقرب من (اثنا عشر ألف كتاب) فكتب إليهم الكتاب التالي:

نص البيان

«بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي، إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين.. أما بعد: فإن هانئا وسعيدا (هاني بن هاني السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي) قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم.. ومقالة جلكم: أنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم، وأمركم، ورأيكم، فإن كتب أنه قد اجتمع رأي ملأكم، وذوي الفضل والحجى منكم، على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم إليكم وشيكا.. إن شاء الله. فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله والسلام».

وقد دفع الكتاب إلى ابن عمه (مسلم بن عقيل) وبعثه إليهم ومعه (قيس بن مسهر الصيداوي) و (عمارة بن عبد الله السلولي) و (عبد الرحمن بن عبد الله الازدي) وأوصاه بوصاياه وفي مقدمتها تقوى الله عز وجل.

وكان خروج (مسلم بن عقيل) من مكة بتاريخ (15 / رمضان / 60هـ) الموافق (21 / يونيو ـ حزيران / 680م) ووصل الكوفة بعد مشقة وتعب بتاريخ (5 / شوال / 60هـ) الموافق (10 / يوليو ـ تموز / 680م) وقد طوى في سفره عدة مراحل (أي أن سفره لم يكن من مكة إلى الكوفة مباشرة) ونزل في دار (المختار بن أبي عبيد الثقفي) وهو من خواص شيعة أهل البيت (ع) وأوثق أهل الكوفة ومن أشجع رجالها.

قراءة في البيان

لقد تضمن البيان الكثير من الحقائق والأفكار.. وهي كالتالي:

أولاً ـ قوله (ع): «أما بعد: فإن هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم.. ومقالة جلكم: أنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق».

يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة.. منها:

النقطة الأولى: الإشارة إلى كتب ورسل أهل الكوفة إلى الإمام الحسين (ع) وكان آخر الكتب التي حملها الرسولين إليه.. وهما: (هاني بن هاني السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي) وخلاصة كتبهم: عدم اجتماعهم على خلافة (يزيد بن معاوية) وواليه على الكوفة (النعمان بن بشير).

النقطة الثانية: طلب أهل الكوفة من الإمام الحسين (ع) القدوم إليهم.

النقطة الثالثة: أن الإمام الحسين (ع) في تشخيص أهل الكوفة هو إمام من أئمة الهدى، من شأنه أن يجمعهم على الحق ويأخذ بهم في طـريق الرشد والهداية إلى اللـه تبارك وتعالى.

واستنادا إلى العقيدة والتجربة العملية والأخبار: لم يكن الإمام الحسين (ع) بأقل بصيرة بتاريخ أهل الكوفة وأحوالهم وشؤونهم من الذين حذروه من الذهاب إليهم، ولا أقل علما بأحاديث الرسول الأعظم الأكرم (ص) التي استند إليها بعضهم في تحذيره منهم، ومع ذلك لم يظهر في كتابه إلى أهل الكوفة الشك فيهم، ولم يسأ الظن بهم، ولم يجرحهم بكلمة واحدة، وكان رده على كتبهم هادئا وجميلا وفي غاية الاتزان والشعور العميق بالمسؤولية الدينية والاجتماعية نحوهم.

ونخلص من ذلك: أن القائد الرسالي لا يشكك في نوايا الناس، لكي يتخذ من ذلك مبررا للتقاعس عن الجهاد والتخلي عن أداء دوره وتكليفه في المجتمع، وإنما يبحث عن الفرص التي تتهيأ له ليقوم بدوره ويؤدي تكليفه الشرعي في المجتمع لخدمة الدين والإنسانية.

ثانياً ـ قوله (ع): «وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم، وأمركم، ورأيكم، فإن كتب أنه قد اجتمع رأي ملأكم، وذوي الفضل والحجى منكم، على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم إليكم وشيكا.. إن شاء الله».

يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة.. منها:

النقطة الأولى: إرسال مبعوثه الخاص إلى أهل الكوفة، وهو ابن عمه (مسلم بن عقيل).

النقطة الثانية: تحديد المهمة التي سوف يقوم بها مبعوثه الخاص في الكوفة بدقة، وهي استطلاع حالهم والتأكد من صدق موقفهم الذي كتبوا به إلى الإمام الحسين (ع).

النقطة الثالثة: أن مبعوثه الخاص إلى أهل الكوفة وهو (مسلم بن عقيل) هو ثقته ويمتلك الكفاءة المطلوبة لأداء المهمة.. وعليه: يمكنهم الانفتاح عليه بصورة كاملة، ويصارحوه بكل ما لديهم.

النقطة الرابعة: إذا جاء تقرير مبعوثه الخاص إليهم مطابقا لما جاء في كتبهم، فإنهم سوف يقدم عليهم سريعا بدون تأخير.

وتدل خطوة الإمام الحسين (ع) بإرسال مبعوثه الخاص إلى أهل الكوفة على أمور عديدة.. منها:

الأمر الأول: أنها تثبت جدية الإمام الحسين (ع) وحذره وواقعيته في الاستجابة لطلب أهل الكوفة. فهو لم يتخلف عن الاستجابة، ولم يذهب إليهم مباشرة، وإنما بعث إليهم بوكيل خاص عنه، ذو كفاءة عالية لأداء المهمة، وأمره بأن يستطلع أمرهم ويكتب إليه بأحوالهم.. لكي يحدد موقفه النهائي حول طلبهم منه قدومه عليهم.

الأمر الثاني: أنها تدل على مدى إخلاص الإمام الحسين (ع) وصدقه وإيمانه بقضيته، ومدى استعداده للتضحية من أجلها. فهو (ع) يعلم أن المقام ليس مقام مكاسب، وإنما هو مقام مخاطر وتضحيات، حيث لم يتضح الواقع (ظاهرا) بعد، ومع ذلك قدم واحدا من خيرة أهل بيته وأصحابه.. وهو ابن عمه (مسلم بن عقيل).

ومما قاله (ع) له: «إني موجهك إلى أهل الكوفة، وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى، وأنا ارجوا أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامضي ببركة الله وعونه.. فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها».

لقد أثبتت لنا التجارب التاريخية والمعاصرة: أن القيادات المبدئية التي تمتلك إخلاصا وإيمانا وصدقا في القضايا التي تتبناها وتدعوا إليها، أنها تقدم نفسها والأقرباء في مقام التضحيات، وتتأخر، وتؤخر الأقرباء في مقام المغانم والمكتسبات. أما القيادات الوصولية والكاذبة والمنافقة، فهي تؤخر نفسها والأقرباء في مقام المخاطر والتضحيات، وتقدم نفسها والأقرباء في مقام المغانم والمكتسبات المادية.. واعتبر أن هذا وذاك: من معايير الحكم على التأهل المعنوي للقيادات.

ثالثاً ـ قوله (ع): «فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله».

يكشف هذا المقطع من البيان عن أهم المواصفات المطلوب توفرها (إسلاميا) في الحكام، ويدخل هذا المقطع في دائرة التأسيس الفكري والفقهي لتصحيح الموقف السياسي لأهل الكوفة في رفضهم لبيعة (يزيد بن معاوية) وتطلعهم لإمامة الإمام الحسين (ع) حيث لا تتوفر المواصفات المطلوب توافرها في الحاكم في (يزيد بن معاوية) وإنما تتوفر في الإمام الحسين (ع).

الجدير بالذكر: أن الإمام الحسين (ع) بنى الموقف في رسالته إلى أهل الكوفة، على التسليم بأهليته (الشخصية) إلى الخلافة وشرعية إمامته، وعدم شرعية خلافة (يزيد بن معاوية) وجواز الخروج عليه وإقصائه عن الحكـم بالقوة، وأنه (ع) يسعى (من خلال مبعوثه: مسلم بن عقيل) إلى توفير الإرادة الاجتماعية الغالبة (البيعة) بهدف السيطرة على الحكم، وإقامة النظام السياسي العدل في مجتمع.

وهذا المقطع من البيان يدل (إسلاميا) على أمور عديدة.. منها:

الأمر الأول: جواز الخروج على الحاكم الظالم المستبد الذي لا يعمل بكتاب الله تبارك وتعالى وسنة الرسول الأعظم الأكرم (ص) ولا يحكم بين الناس بالعدل.

يقول عبد القادر عودة: «من المتفق عليه أن عمل أولي الأمر صحيح طالما كان في حدود حقه. باطل فيما خرج على هذه الحدود. فإذا أتى أولوا الأمر بما يتفق مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية، فعملهم تحق له الطاعة، وإذا أتوا بما يخالف الشريعة فعملهم باطل وكل ما كان باطلا لا يصح العمل به ولا يجب له الطاعة».

ويقول الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس: «والإسلام حين أوجب على الرعية أن تطيع ولاة الأمر فيها، لم يجعل هذه الطاعة مطلقة من كل قيد، ذلك لأن الطاعة المطلقة تؤدي إلى الحكم الفردي الديكتاتوري المستبد، ومن ثم تمسخ شخصية الأمة وتتلاشى، وهذا ما يأباه الإسلام ويرفضه رفضا قاطعا. لهذا فقد أوجب الإسلام على الرعية أن تطيع أولي الأمر فيها ضمن دائرة معينة، وحدود معلومة، وقيود وشروط لا بد منه».

ومن الشروط التي ذكرها:

أولا: أن يكون ولي الأمر مطبقا للشريعة الإسلامية.

ثانيا: أن يحكم بالعدل بين الناس.

ثالثا: ألا يأمر الناس بمعصية.

الأمر الثاني: أن الموقف الأولى للمسلم الحقيقي هو الثورة على الظلم والاستبداد ومواجهة الضغوط والتحديات التي تواجهه في حياته الإسلامية والاجتماعية، وعدم الخضوع والاستسلام للأنظمة الظالمة والمستبدة والقبول بالأمر الواقع، وخلافه استثناء يحتاج إلى تبرير عقلي واقعي وإلى رخصة شرعية من القيادة الإسلامية الشرعية العليا.

الأمر الثالث: أن الأمة الإسلامية (كأمة وأفراد) مكلفة بطاعة الحاكم العادل ونصرة القيادة الإسلامية الشرعية في الثورة ضد الظلم والانحراف والاستبداد والفساد.

والخلاصة: أن الأمة تتحمل مسؤولية الحاكم، فإذا كان الحاكم عادلا، فيجب عليها طاعته، وإذا كان الحاكم جائرا، فيجب عليها الوقوف إلى صف القيادة الشرعية العليا للثورة عليه والإطاحة به.. وعليه: فإن القيادة الإسلامية الشرعية العليا (الأنبياء والأوصياء والفقهاء العدول) تتحمل مسؤولية الحكم.. وأيضا: مسؤولية الثورة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى