مواضيع

منطلقات الثورة الحسينية وأهدافها

من كتاب قراءة في بيانات ثورة الإمام الحسين لأستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

المناسبة

بعد أن أطلق الإمام الحسين (ع) شرارة الثورة في دار الإمارة، استعد للخروج من المدينة المنورة متوجها إلى مكة المكرمة، فخرج ومعه أهله وإخوته وبنو أخيه وبني عمومته وبعض الخواص من شيعته، وترك فيها أخوه محمد بن الحنفية ليتتبع له تحركات القوم ويوافيه بأخبارهم.

وكان خروجه (ع) ليلة الأحد بتاريخ: (28 / رجب / 60هـ) الموافق (6 / مايو ـ آيار / 680م) وقبل أن يخرج كتب وصيته لأخيه محمد بن الحنفية جاء فيها:

نص البيان (الوصية)

«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به الحسين بن علي إلى أخيه محمد بن الحنفية، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عنده، وان الجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث من في القبور. وأني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا مفسدا، ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف، وانهي عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين.

هذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب»

أولاً: بين يدي البيان

وفيه نقاط عديدة.. منها:

النقطة الأولى – التعريف بالوصية: هي عبارة عن رسالة يكتبها الإنسان ويوجهها لمن يعنيهم أمره، يعبر فيها عما يريد أن يعهده إليهم به من توجيهات، أو ما يريد أن يؤدونه عنه من حقوق أو أعمال كالصلاة.. وهي من الأمور المهمة في الحياة: لما فيها من دلالة على اهتمام الإنسان بحقوق الآخرين وصلتهم في حياته وبعد موته، وتبرئة ذمته من التبعات.. لتحصل له الراحة والسعادة في الآخرة.

وتنقسم الوصية إلى قسمين.. وهما:

القسم الأول – وصية تمليكية: كأن يوصي بتمليك مال أو دار أو تحرير رقبة أو إبراء ذمته من دين.

القسم الثاني – وصية عهدية: كأن يوصي بالتقوى أو أداء بعض الواجبات أو الحقوق العامة أو الخاصة إلى الله (تبارك وتعالى) أو إلى الناس.

ووصية سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) هذه لأخيه محمد بن الحنفية (رضي الله تعالى عنه) من الصنف الثاني (وصية عهدية).

النقطة الثانية – حكم الوصية في الإسلام: تعتبر الوصية في الشريعة الإسلامية المقدسة واجبة على الإنسان المؤمن عندما تكون عليه واجبات لم يؤدها، وحقوق لم يبرأ ذمته منها، ومستحبة في وجوه البر التي يرغب أن تعمل.. ليعود ثوابها إليه.

قال الرسول الأعظم الأكرم (ص): «ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة إلا ووصيته تحت رأسه».

والذي يهمنا من وصية الإمام الحسين (ع) لأخيه (محمد بن الحنفية) في موضوع البحث، هو القسم الثاني الذي يتعلق ببيان منطلقات وأهداف ثورته المباركة ضد نظام (يزيد بن معاوية) المستبد.

النقطة الثالثة – توقيت إصدار البيان: يأتي توقيت إصدار البيان (الوصية) في سياق تسلسل منطقي وتاريخي في خطوات الثورة المباركة. فقد أطلق الإمام الحسين (ع) في البداية شرارة الثورة وبين مبرراتها الفكرية والدينية والسياسية، وفي مرحلة تالية وبصورة مبكرة (في أول خطوة عملية للتحرك: الخروج من المدينة) أصدر هذا البيان (الوصية) الذي أوضح فيه حقيقة الثورة ومنطلقاتها وأهدافها ونفى أهم الإشكالات التي قد ترد عليها، مما يدل على وضوح الرؤية لدى الإمام الحسين (ع) في الإدارة السياسية للثورة، واتخاذ الخطوات المطلوبة في كل مرحلة من مراحلها، بدقة وشجاعة وبدون تأخير.. وهذه من أهم صفات القائد الناجح.

ثانياً: قراءة في البيان

يتضمن هذا البيان الكثير من الحقائق والأفكار.. وهي كالتالي:

أولاً – قول سيد الشهداء (ع): «وأني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً».

لقد نفى الإمام الحسين (ع) في هذا المقطع من البيان عن ثورته المباركة الحالات أو الأوضاع السلبية التي تصيب (عادة) الثورات الزائفة في التاريخ.. والحالات هي:

الحالة الأولى – لم أخرج أشراً: بأن يدعي ما ليس له بحق من السلطة أو الثورة، أو أن يفرض هيمنته وإرادته على الناس بغير إرادتهم وضد مصالحهم، بهدف الاستعلاء والاستئثار بالسلطة والثروة دونهم أو لغرض فرض أجندته الدينية والسياسية عليهم.

قال الله تعالى: <فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ 24 أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ 25 سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ >.

فهو (ع) يؤكد: أن حركته قائمة على أساس الحق والعدل والفضيلة والخير لكافة الناس.

الحالة الثانية – ولا بطراً: أي الخروج على غير بصيرة ولا هدا ولا كتاب منير.. أي: على أساس ضال يعتمد على نكران الحقائق وتزويرها وتزييفها، من أجل الرياء والسمعة والزهو والصخب والدعاية الإعلامية وتضخيم الذات المتعفنة، وغير ذلك من الأسس الباطلة التي تقوم عليها كثير من الثورات الزائفة في التاريخ.

قال الله تعالى: <وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ>.

فهو (ع) يؤكد: أن خروجه قائم على بصيرة ورؤية واضحة واعتراف كامل بكل الحقائق الدينية والفكرية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ولأهداف جدية وجوهرية في وجوده (كإنسان) ووجود الأمة الإسلامية (كخير أمة أخرجت، تحمل رسالة سماوية عالمية عظيمة) وبوسائل شرعية نظيفة.

الحالة الثالثة – ولا مفسداً: بمخالفة الدستور السماوي (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة) والقوانين الإلهية المقدسة.

فهو (ع) يؤكد: التزامه الكامل في ثورته المباركة، بالدستور الإلهي في مبادئه وأهدافه ومقاصده وما يضمنه للناس من الحقوق والحريات، والتزامه الكامل بالأحكام الشرعية التفصيلية، من أجل تحقيق العدل والمساواة والفضيلة وإقامة الحق بين الناس، بحيث لا يقع ظلم على أحد من الناس في المجتمع.

الحالة الرابعة – ولا ظالماً: بالتعدي على حقوق أبناء الشعب وسلب مكتسبات الأمة، ولا بالتعدي على مقام الخلافة.. وفي هذا دليل: على عدم شرعية خلافة يزيد، وجواز الثورة ضده.. وقد أوضح (ع) ذلك بالتفصيل في بيان الشرارة.

ثانياً – قوله (ع): «وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».

لقد كشف الإمام الحسين (ع) في هذا المقطع من البيان الهدف الرئيسي لثورته المباركة.. وهو الإصلاح، وذلك من خلال إزاحة الحاكم المستبد عن سدة الحكم، وتمكين القيادة الشرعية العادلة ذات الكفاءة من السلطة، وتطبيق الشريعة الإسلامية المقدسة في كافة أنشطة الدولة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، من أجل إقامة كيان عقائدي يقوم على أساس التوحيد، تتحقق فيه العدالة والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، بحيث يحصل كل ذي حق على حقه بدون أن يبخس منه شيئا، وتنتشر فيه الفضيلة، ويشجع فيه على فعل الخير والمعرف لكافة الناس والمواطنين.

ثالثاً – قوله (ع): «أريد أن آمر بالمعروف، وانهي عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب».

يتضمن هذا المقطع من البيان نقاط عديدة.. منها:

النقطة الأولى: لقد أوضح الإمام الحسين (ع) في هذا المقطع من البيان منطلقاته في ثورته المباركة.. وفي مقدمتها: الإخلاص لله (تبارك وتعالى) وأداء تكليفه الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويدل هذا المقطع من البيان على أمور في غاية الأهمية.. منها:

الأمر الأول: أن الكفاح المسلح هو أحد مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشروعة.

الأمر الثاني: قد يلزم المكلف التضحية بنفسه وما يملك من أجل القيام بهذه الفريضة العظيمة.. وقد سبق توضيح علاقة التضحيات بالإصلاح والثورة في قراءة البيان الأول.

النقطة الثانية: لقد أوضح الإمام الحسين (ع) في هذا المقطع من البيان، أن منهجه في الثورة، هو نفس المنهج الذي سار عليه جده الرسول الأعظم الأكرم (ص) وأبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وخلاصة هذا المنهج هو:

قول الله تبارك وتعالى: <مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا>.

رابعاً – قوله (ع): «فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين».

إن الإمام الحسين (ع) إذ يكشف عن حقيقة ثورته المقدسة العظيمة ضد نظام الطاغية (يزيد بن معاوية) ومنطلقاتها وأهدافها ومنهجها الذي هو في الحقيقة والواقع منهج الرسول الأعظم الأكرم (ص) ومنهج أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فقد وضع بذلك الأساس الصحيح والمعيار الدقيق للقبول والرفض للثورة والنصرة والخذلان لها، وعليه طالب الناس بتحديد موقفهم من ثورته في هذا المقطع من البيان.. وهو يتضمن نقاط عديدة منها:

النقطة الأولى: أن منهجه وطريقه في الثورة، هو منهج الرسول الأعظم الأكرم (ص) وهو طريق الحق الثابت الذي لا شك في صحته (حسين مني وأنا من حسين) فلا يسوغ للمسلم (بما هو مسلم) إنكاره أو خذلانه، ويترتب على اللحاق به الخير والسعادة، وعلى التخلف عنه الخسارة والشقاء، فمن كان ملتزما بالحق ويرغب صادقا في إقامته على أرض الواقع، ويبحث عن الخير والسعادة والعزة والكرامة للإنسانية، فعليه أن يلتحق بالإمام الحسين (ع) في ثورته، ومن تخلف عنه فإنه يخسر لا محالة.

قال الله تعالى: <فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ>.

وقال الرسول الأعظم الأكرم (ص): «السابقون إلى ظل العرش طوبى لهم» قيل: يا رسول الله!! ومن هم؟ فقال: «الذين يقبلون الحق إذا سمعوه، ويبذلونه إذا سئلوه، ويحكمون للناس كحكمهم لأنفسهم».

وهذا ما أراد الإمام الحسين (ع) توضيحه في وصيته لبني هاشم قبيل خروجه من المدينة.. قوله (ع): «بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم.. أما بعد: فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ الفتح. والسلام».

وهذا يدل على أمور عديدة.. منها:

الأمر الأول: ثقة الإمام الحسين (ع) المطلقة بسلامة ثورته ونهجه فيها.

الأمر الثاني: إصراره (ع) على الثورة وصبره وثباته في طريقها حتى آخر لحظة من حياته.

الأمر الثالث: استعداده التام لتقديم التضحيات التي تحتاجها الثورة في تحقيق أهدافها المقدسة العظيمة مهما عظمت التضحيات وغلي الثمن.

النقطة الثانية: انه (ع) سوف يمضي في الثورة إلى نهايتها، ولن يمنعه من الاستمرار فيها قلة الناصرين له. وهذا الإصرار والاندكاك في الثورة من الشروط الأساسية للقيادة الثورية الناجحة.

يقول الإمام الباقر (ع): «لما حضرت أبي علي بن الحسين (ع) الوفاة، ضمني إلى صدره.. ثم قال: ابني!! أوصيك بما أوصاني أبي حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أن أباه (ع) أوصاه به: أي بني!! اصبر على الحق وإن كان مرا».

وهذا الموقف من الإمام الحسين (ع) يدل على أمور عديدة.. منها:

الأمر الأول: اطمئنانه إلى نجاح ثورته في تحقيق أهدافها، لأنها في سبيل الله (تبارك وتعالى) وهو الراعي الحقيقي لها.

قال الله تعالى: <إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ. كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ>.

لقد كان الإمام الحسين (ع) يعلم بأنه سوف يقتل مع أهل بيته وأصحابه في كربلاء.. بمعني: أنه لن ينتصر عسكريا، ولكنه كان يعلم (أيضا) بأن استشهاده مع أهل بيته وأصحابه، سوف يؤدي إلى إيقاظ ضمير الأمة، وتجديد دماء الحياة فيها، وفتح باب التصحيح والإصلاح وإحياء الدين من جديد في واقعها ومسيرتها، وقد فضل الإمام الحسين (ع) هذا الانتصار المعنوي الدائم، على الانتصار المادي المؤقت.

الأمر الثاني: إخلاص الإمام الحسين (ع) وانه كان يعمل من أجل مصلحة الدين والمصالح العامة الجوهرية للمسلمين.. وليس من أجل مصالحه المادية الخاصة.

لقد كان بوسع الإمام الحسين (ع) أن يبتعد عن خوض التجربة.. كما نصحه بذلك الناصحون، أو أن يقف عند الحد الذي لا يهدد حياته، ويوجد لنفسه مبررات الانهزام الفكرية والفقهية والسياسية، فيتحدث مثلا عن غدر وخيانة أهل الكوفة، وسوف يصدقه الناس ويعذروه، ولكنه (ع) بأبي هو وأمي ونفسي أبا، واصل مشوار العشق حتى شرب الكأس إلى نهايته.

في الحديث: أن الإمام الحسين (ع) في الليلة التي خرج في صبيحتها من المدينة المنورة قاصدا إلى مكة، ذهب إلى قبر جده ليودعه، فقام يصلي فأطال فنعس وهو ساجد، فجاءه النبي (ص) وهو في منامه، فأخذه وضمه إلى صدره وجعل يقبل بين عينيه.. ويقول: بأبي أنت، كأني أراك مرملا بدمك بين عصابة من هذه الأمة، يرجون شفاعتي، ما لهم عند الله من خلاق. يا بني!! إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك، وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنة درجة لا تنالها إلا بالشهادة.

الأمر الثالث: بعد نظر الإمام الحسين (ع) في التحرك، ودقة معايير التقييم لديه للأعراض والجواهر في النتائج، وأنه يعرف حقيقة وقيمة ونتائج ما هو مقدم عليه.

الأمر الرابع: أن الأمام الحسين (ع) كان يتحرك على ضوء إستراتيجية بعيدة المدى.. تتجاوز حياته الشخصية، لتشمل حياة كافة شركائه من أئمة أهل البيت (ع).

الأمر الخامس: أن الإمام الحسين (ع) كان يسعى لترسيخ ثقافة المقاومة والفداء في عقلية الأمة الإسلامية، وقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة: أن بقاء أية أمة ورقيها وعزتها وكرامتها مرهون بالمقاومة والفداء.

الأمر السادس: لقد أعطى الإمام الحسين (ع) درسا للقيادات الثورية، بأن لا تقلق على حياتها، فإن الشعوب التي تخوض غمار الثورة بصدق و|خلاص، وتواصل طريقها دأبا بلا انقطاع، يتحول وجودها إلى خزان قيادي، يزودها بالقيادات المخلصة الصادقة التي تملأ (على وجه السرعة) كل فراغ يحدث فيها، وتحبط كل محاولات الإطاحة بها.

إن الإمام الحسين (ع) يقدم لنا (في هذا المشهد) الحد الفاصل بين نمطين من القيادات السياسية والثورية.. وهما:

النمط الأول: يتمثل في القيادات التي تختصر الأمة والقضية في نفسها، وتجعل من نفسها محور القضية أو الرسالة، وتحيط نفسها بهالة من القدسية والأهمية، وتجند كل الطاقات والإمكانيات لخدمتها والمحافظة عليها، وتوهم الآخرين بأن مصير القضية أو الرسالة يتوقف على وجودها ومصيرها، وأن الرسالة أو القضية تنتهي أو تضيع بفقدها.

النمط الثاني: يتمثل في القيادات التي تجعل القضية أو الرسالة هي المحور، وتكرس الجهود والإمكانيات لخدمتها والمحافظة عليها، وأنها تنافس الآخرين وتسابقهم وتسبقهم وتتقدم عليهم في خدمتها والتضحية من اجلها.. وهذه ميزتها، وتعتبر أن وجود القضية أكبر من وجود الأشخاص وفوقهم، ولا تربط مصير القضية أو الرسالة بوجودها، وتثق في قدرة القضية بحضورها وحيويتها على إنجاب القيادات، وأن القضايا أو الرسالات التي تفشل في إنجاب القيادات لا تستحق أصلا البقاء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى