مواضيع

التعريف بفرعون الطاغية: الحضارة الفرعونية وميزات النظام الفرعوني

الحضارة الفرعونية هي الحضارة التي قامت في مصر وازدهرت منذ أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، وعمرت نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة (3500) سنة، أي خمسة وثلاثون (35) قرناً، ولم يعرف التاريخ القديم حضارة عمرت مثلما عمرت الحضارة الفرعونية، وكانت الحضارة الفرعونية حضارة أصيلة مغلقة، نزعت إلى العيش بنفسها لنفسها في داخل إطار مقفل إلى حد كبير، وكانت رغم أصالتها وانغلاقها عرضة إلى كثير من التغيرات والتطورات الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والتفاوت في مستويات الرخاء والازدهار، أو البؤس والانحطاط، وكانت لنهر النيل أهمية عظيمة في نشأة الحضارة المصرية عموما وتطورها حتى قيل بحق: «مصر هبة النيل».

ويتميز النظام الملكي الفرعوني بالمركزية والقوة والشدة والصرامة، ويكون مركزه الملك (فرعون) الذي يتخذ صفة الإله، ويمثل المرجع الأعلى والسيد الأوحد في النظام، وله سلطات مطلقة، وليس عليه رقيب ولا حسيب، فهو رب الأرض ومن عليها الإنسان والحيوان والنبات والجماد ومالكها، وعليه يتوقف كل شيء فيها، ويوجه شؤون الحياة ومظاهرها برمتها، ويرسم جميع معالمها، حتى ما يقع منها ضمن الحياة الخاصة والشخصية، مما يجعل الناس أقرب إلى صفة العبيد منهم إلى صفة المواطنين والرعايا، في نظام لا يقيم وزناً لآلام الإنسان ومعاناته الخاصة، ولا يعبأ بالحياة الفردية، فيفقد الأفراد الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، فيفرض الاحتكار الكامل لصالح الملك في جميع الموارد، وتفرض إرادته على الجميع في جميع المجالات والشؤون، وتتاح دائماً للعبادة والآلهة التي يرعاها الانتشار والسيطرة، وتذوب فيه صفة الدولة، وتخضع له الطبيعة، وهو مصدر كل إبداع ورخاء وازدهار، ويبقى إلهاً يستحق العبادة حتى بعد وفاته، وهذه الصفات تجدها بدرجات متفاوتة وبأسماء مختلفة في الممالك المطلقة في العالم الثالث المتخلف، خلافاً للدين والمنطق والفطرة والطبع السليم وروح العصر وكرامة الإنسان.

ويقوم النظام الملكي الفرعوني على التوارث، إلإ أنه في أحيان كثيرة يتم الاستيلاء على العرش بالقوة، ويسند ذلك كله إلى إرادة الآلهة، وفي جميع الحالات يتم تتويج الملك (فرعون) في حفل رسمي بذخ، تصاحبه الكثير من الطقوس الرمزية والأدعية الدينية، ويسلم شارات، مثل: الصولجان والسوط، التي ترمز إلى السلطة وتوليه القوة الإلهية، ويدخل في مصاف الآلهة، ويصبح مساوياً لهم، ويعيش كإله وابن إله، ويتمتع بسلطات ربوبية مطلقة، ويعمل ما يجب أن يعمل، أي: أن فعله وقوله هو عين الحكمة والصواب، وتمثل إرادته القانون، ولها ما للعقيدة الدينية من القدسية والقوة، وكل ما يتفوه به يجب التسليم به والخضوع له، ويجب أن يطبق ويعمل به في الحال، حتى لوكان قاسياً ومدعاة للضرر ظاهرًا؛ لأنه يخرج من فم إله، والعمل به ينتهي إلى السعادة في الدارين الدنيا والآخرة، فهو لا يأتي اعتباطاً، وإنما هو عين الحكمة والصواب والعدل والخير والفضيلة. وقد عرف عن المصريين في الحضارة الفرعونية الإلتزام التام في أعمالهم بالواجبات والمحرمات التي يسنها لهم القانون الفرعوني، وتنزل عقوبة الإعدام على كل من يخالف الإرادة الفرعونية.

وفرعون مع كل ذلك يأكل ويشرب ويتنفس الهواء ويلهو ويلعب وينكح وله زوجات وأولاد وجواري، ونحو ذلك من مستلزمات البشر.

ويعتبر فرعون من الناحية الدينية الكاهن الأعظم الذي تقدم القرابين باسمه في الهياكل، والمسؤول عن إدارة الهياكل والمدافن الملكية وكافة وشؤونها، ويختار من بين الكهنة نواباً له في الخدمة الدينية، ويلعب الكهنة والسحرة الذين يتمتعون بتعليم أفضل من كل الطبقات، دوراً كبيراً في النظام الملكي الفرعوني، الذي تتداخل فيه السلطات الدينية والمدنية، وقد احتل بعض رؤساء الكهنة، مكانة عظيمة عالية ومتميزة في النظام الملكي الفرعوني، وذلك بفضل ما للآلهة التي يقومون على إدارة شؤون معابدها من نفوذ وثروة. ويوجد في طبقة الكهنة، كهنوت نسائي لخدمة معبد الإله، تقوم على رأسه الملكة، وتلقب (بعروس الإله) وتقوم مقامها عملياً، رئيسة الكاهنات.

وكان الكهنة يجمعون بين المراتب الدينية والوظائف المدنية العسكرية، التي كانوا يحرصون على أن تكون وراثية في أولادهم وأسرهم. وقد أصبحت وراثة مركز رئيس الكهنة، القاعدة التي يسير عليها النظام الملكي الفرعوني في أواخر أسرة رعميس الثاني، وهو والد منفتاح الفرعون الطاغية الذي هلك غرقاً في عهد موسى الكليم (عليه السلام) في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد.

ومن وظائف الملك الرئيسية: الدفاع عن مصر أمام الغزاة، وإدارة مواردها الاقتصادية وثرواتها الهائلة التي لا تعد ولا تحصى، حيث تميزت مصر بغنى أسطوري مثير للخيال والشهوة والأطماع، إذ الوفرة في الزراعة مثل: الحبوب بأنواعها والخضروات والفواكهة، إلى جانب التجارة الداخلية الواسعة والخارجية المحدودة، والصناعة، مثل: الصناعات المعدنية والفخار والنبيذ والزخرفة والزينة، والوفرة في المعادن، مثل: الذهب والنحاس والأحجار الكريمة، مثل: الزمرد وغيره، وتقدم العلوم مثل: الكيمياء والفلك والهندسة والرياضيات، وكثرة العمال والفلاحين وأصحاب الحرف والمهنيين، مثل: الأطباء والمهندسين والصاغة والحاكة والحدادين والنحاتين والنجارين والحلاقين والنقاشين والفنانين وغيرهم.

ومن وظائف الملك أيضاً، المحافظة على الأمن والاستقرار الداخلي في الدولة والمجتمع، والإشراف على ديوان المظالم، وإشاعة الأمن والاستقرار الروحي، وإقامة العدل بين السكان، مما يعد أساساً لسلامة المجتمع والدولة، واستمرار النظام، وتحقيق التقدم والازدهار.

ويتخذ الملك (فرعون) في النظام الفرعوني لنفسه وزراء ومعاونين يسترشد بآرائهم، ويقومون بتبليغ الأوامر والتعليمات والتوجهات التي تصدر عنه، ويشرفون على تنفيذها وتطبيقها، ويعينونه على أعماله، وهو يعيّنهم ويعزلهم كيفما يشاء، وإلى جانبهم بطانة كبيرة من أصحاب المقامات العالية والقادة والوجهاء والأشراف والنبلاء والموظفين، الذين يحملون الألقاب الشرفية، وتختلف درجاتهم ورتبهم وصلاحياتهم، وهؤلاء وإن كانوا من أهم مظاهر العظمة البشرية الزائفة، فهم دليل على بشرية فرعون، لأن الإله الحق لا يحتاج إلى مثلهم، وهم دليل على الأنظمة الدكتاتورية والحكومات المستبدة الظالمة، ما كان لها لتوجد وتستمر لولا وجود هؤلاء الأنانيين الفاسدين التعساء. في الحديث النبوي الشريف: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الظلمة وأعوانهم؟ من لاق لهم دواة أو ربط لهم كيساً أو مد لهم مدة قلم فاحشروهم معهم»[1] وفي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «لولا أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا»[2] هذا رغم خساسة طبعهم وسوء أخلاقهم، ولكن المثل يقول: «لكل ساقط لاقط».

إلى جانب هؤلاء يوجد الخدم والحشم والعبيد الذين هم الغالب من أسرى الحروب والقرصنة، في مجتمع يقوم على التمييز والطبقية الوراثية، مثل: الفلاحين والعمال والصناع والتجار والموظفين والجنود والكهنة والسحرة وغيرهم، الذين كانت مراتبهم ومستويات ودرجات قربهم من الملك (فرعون) تتفاوت وتختلف من عهد إلى عهد بحسب الظروف والأوضاع المتغيرة، ولهذا وعد فرعون السحرة بأن يغير درجتهم في السلم الطبقي ويقربهم إذا هم تمكنوا من هزيمة موسى الكليم (عليه السلام)، قول الله تعالى: <وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِين>[3] وهناك حكام الولايات والأقضية الذين يتمتعون بصلاحيات إدارية واسعة، والى جانبهم العديد من الموظفين والعمال الذين تختلف رتبهم وسلطاتهم وطريقة تعيينهم.

والكل يعمل باسم فرعون ومن أجله، يخضع لسلطته وإرادته المطلقتين، وقد سمح النظام الإداري في النظام السياسي الملكي الفرعوني الذي يقوم على أساس الدين والعقيدة، لجميع هؤلاء المسؤولين بالعبث بمصالح المواطنين ومصائرهم، والتاريخ الفرعوني مليء بالكثير من الأخبار المكررة من الظلم والجور والطغيان والفساد والابتزاز والسخرة، كما هو الحال في كل نظام ملكي دكتاتوري في كل عصر ومصر، تحت عنوان رضى الآلهة الذين شيدت الحضارة الفرعونية من أجل مجدهم، وعنوان مصلحة الدولة وهيبتها وقوتها، ونحو ذلك.

وقد منح النظام السياسي والإداري في الحضارة الفرعونية الكثير من الثروة والرفاه والأبهة والمجد للفراعنة، إلا أنهما أديا في النهاية إلى انحلال النظام الملكي الفرعوني وتقويضه والقضاء عليه، حيث انتقل الحال من التملق إلى الملك (فرعون) والتقرب إليه، إلى التنافس معه على السلطة والثروة، والتجاوز للصلاحيات الممنوحة والمفوضة منه، والاختلاس للثروة، والتأليب على الملك، والدخول في معارك عسكرية ضده وضد الموالين له، وانفصال الولايات، ونحو ذلك، بالإضافة إلى الفقر والبؤس الذي يعيشه النظام في حال غالبية الشعب، فيصبح الملك أمام كل ذلك في حالة عجز عن الدفاع عن نفسه وسلطته وامتيازاته، مما يؤدي إلى خلق الفوضى والوهن في الدولة، انتهى في نهاية المطاف بالقضاء على الحضارة الفرعونية والنظام الفرعوني، وهذا من شأنه أن يكشف لنا عن علة خطورة الفساد والظلم والدكتاتورية والاستبداد على النظام والدولة والمجتمع، ويدلنا على النهاية الحتمية لكل نظام ودولة يقومان على الباطل والظلم وينتشر فيها الفساد ولا يستندان إلى الإرادة الشعبية والدعم الجماهيري، وهو الانهيار والخروج من التاريخ ملطخاً بالخزي والعار والفضيحة.

المصادر والمراجع

  • [1]. بحار الأنوار، جزء 75، صفحة 37
  • [2]. الكافي، جزء 5، صفحة 106
  • [3]. الأعراف: 113-114
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الأول | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟