مواضيع

التعريف بهارون: محاكمة موسى الكليم (ع) للسامري على جريمته ومعاقبته

ثم توجه موسى الكليم (عليه السلام) إلى مساءلة السامري المتهم الأول في جريمة العجل الذهبي الشنيعة ومحاكمته بشأنها، فسأله عن السبب الذي دعاه إلى ارتكاب هذا الذنب العظيم والجريمة الشنيعة والعمل القبيح وهدفه من وراء ذلك، فقال: {فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ}[1] أي: ما شأنك وما الذي دعاك إلى صنع هذا الأمر الشنيع والجرم الفظيع والذنب العظيم والعمل القبيح الذى ابتدعته وجئت به من عند نفسك وعلى خلاف العقل والمنطق والفطرة والطبع السليم والتعاليم الإلهية التي علمتكم إياها ونشرتها بينكم، وأنت العالم غير الجاهل بها، وما هو هدفك وما الذي تريد أو تطلب من وراء ذلك؟

فأجاب السامري على سؤال موسى الكليم (عليه السلام) بقوله: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا}[2] أي: زعم السامري بأنه ذو بصيرة نافذة لا يملكها غيره من بني إسرائيل وأنه علم بما لم يعلمه غيره منهم، ورأى ما لم يتمكن غيره من رؤيته، فقد رأى جبرائيل (عليه السلام) على فرس وهو يُرغِّب جيش فرعون في الدخول إلى الطريق اليابس الذي سلكه بنو إسرائيل في البحر فعرفه، ولم يره غيره أو يعرفه، وقد ألقى في روعه أن يقبض قبضة تراب من أثر حافر فرسه، وأن ذلك التراب من أثر حافر فرسه لا يقع على جماد إلا صار حياً. فأخذ القبضة من التراب وادخرها، ثم ألقاها في الحلي المذابة التي سبكها في صورة العجل، أو ألقاها في فم العجل بعد سبكه، فكان من أمر العجل ما كان {وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}[3] أي: صنعت العجل الذهبي من الزينة، وألقيت القبضة من أثر الرسول (جبرائيل) (عليه السلام) في الزينة المذابة أو في فم تمثال العجل، فكان من أمره ما كان، ودعوت بني إسرائيل إلى عبادته والسجود له بسبب تسويل نفسي الأمارة بالسوء، والخارجة عن الرشد ومنطق العقل والفطرة والطبع السليم وتعاليم الدين الحنيف، فأطاعوني وفعلوا ما أمرتهم به باختيارهم ولم أجبرهم على شيء من ذلك، مما يدل على حمقهم وضعف عقولهم ومنطقهم وإيمانهم وسفاهة أحلامهم، كما هو دأب السفهاء ونحوهم من الأمم السابقة الذين خالفوا تعاليم أنبيائهم الكرام (عليه السلام) وغيروا وبدلوا في الدين الحق الحنيف وحرفوه وخالفوا الأوصياء الهادين المهديين بعد رحيل أنبيائهم (عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام).

وعليه: فقد اعترف السامري بجريمته، ولم يقتنع موسى الكليم (عليه السلام) بعذره، فلامه لوماً شديداً، وعاقبه بطرده طرداً كلياً مؤبداً (ما دام حياً) من صفوف بني إسرائيل، وأمر بني إسرائيل جميعاً بمقاطعته، وحرَم عليهم مخالطته ومكالمته والتعامل معه، قوله تعالى: {فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ}[4] أي: عقوبتك في الحياة الدنيا، أن تكون منبوذاً من كل الناس ومعزولاً عنهم، فلا يقربك أحد بصحبة أو إيواء أو مؤاكلة أو مبايعة أو تكليم أو أي شيء من نحو ذلك أبداً، فتصبح كالحيوان الأجرب أو الكائن الشرير القذر أو نحو ذلك، وتبقى وحيداً في الصحراء حتى تموت وحيداً مطروداً من رحمة الله تبارك وتعالى، ومحروماً من شفقة الناس وإحسانهم إليك بسبب جريمتك البشعة وعملك القبيح وذنبك العظيم الذي لا يغتفر، والذي هددت بسببه حاضر ومستقبل بني إسرائيل، وكدت أن توقعهم في الشقاء والهلاك في الدارين الدنيا والآخرة.

وقيل: أن موسى الكليم (عليه السلام) قد دعا على السامري ولعنه بعد أن ثبتت عليه الجريمة والخيانة، فابتلي بحساسية شديدة في جسمه، فلا يقترب منه أحد من الناس، إلا أصابته حمّى شديدة.

وقيل: ابتلي بوسواس شديد، فكان يتوحش ويضر كل من يلقاه، وكان في الحالتين الحساسية والوسواس، ينادي إذا لقى أحداً من الناس: لا مساس .. لا مساس، أي: لا تقترب مني ولا تمسني، فكان يهيم في الصحراء مع الوحوش حتى لقي حتفه وفارق الحياة ملعوناً مذموماً.

هذا بالإضافة إلى عقوبة الآخرة الأبدية، وهي عقوبة أشد إيلاماً من عقوبات الدنيا كلها ولو اجتمعت على شخص واحد، قوله: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ}[5] أي: لك مع الله (عز وجل) موعداً حتمياً لن يخلفك الله (عز وجل) إياه، تلقاه في يوم القيامة، فيحاسبك ويجازيك الجزاء الأوفى على ما أسلفت من جرائمك واقترفت من ذنوب عظيمة وما افتريت به على الله سبحانه وتعالى من أنك عظيم، ظلمت به نفسك والذين اتبعوك في الحاضر ويتبعونك في المستقبل، وعليه: فأنت الخاسر الأكبر في الدنيا والآخرة.


المصادر والمراجع

  • [1]. طه: 95
  • [2]. طه: 96
  • [3]. نفس المصدر
  • [4]. طه: 97
  • [5]. نفس المصدر
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الأول | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟