مواضيع

التعريف بهارون: جواب هارون على أسئلة أخيه موسى الكليم (ع)

وقد أجاب هارون (عليه السلام)على أسئلة أخيه وقائده وإمامه موسى الكليم (عليه السلام) التى ساءله بها، يقوله: {يَا ابْنَ أُمَّ}[1] استرحاماً واسترقاقاً، ولأجل تحريك مشاعر العطف والرحمة وتسكين الغضب لديه، فقد كان أخاه لأبيه وأمه وخص نسبه إلى الأم؛ لأن ذكر الأم أبلغ وأنسب في الاستعطاف، {لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي}[2]، أي: لا تفعل بي ذلك عقوبة منك لي، فإن لي عذر وحجة فيما نقلت، فإني لم آل جهداً في نصحهم وإرشادهم وكفهم عن الكفر والضلال وإنذارهم من العواقب السيئة المذمومة لعملهم في الدارين الدنيا والآخرة، ولكن:

أ.   {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي}[3] أي: إن القوم الذين تركتني خليفةً لك فيهم ووصياً منك على هدايتهم وإرشادهم وتدبير أمورهم، قد رأوني ضعيفاً وعاجزاً عن ردهم بالقوة والشدة، فخالفوني وقهروني وأوشكوا أن يقتلوني لشدة ما أنكرت عليهم وحذرتهم من عبادة العجل الذهبي الذي صنعه لهم السامري بيده وفتنهم به، ولكنهم عاندوا وكابروا ولم يسمعوا مني ولم يتيحوا لي الفرصة لكي أرشدهم إلى الهدى والحق والصواب والفضيلة، وأصحح ما بدلوه وغيروه في الدين الحنيف، وعليه: {فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ}[4] الذين عبدوا العجل وتسرهم معاقبتك لي، أو أن تفعل بي ما ظاهره الإهانة وعلى خلاف التعظيم والتكريم، {وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين}[5] أي: لاتجعلني في صف هؤلاء الظالمين الذين عبدوا العجل وسجدوا له، بأن تظهر غضبك الشديد علي كما أظهرته عليهم، أو تنسب لي التقصير في القيام بواجبي وأداء تكليفي الشرعي نحوهم، فأنا بريء ولست منهم حقيقةً وواقعاً وقد أنكرت عليهم، ووقفت منهم موقف المعارض المنتقد، وقد بذلت ما في وسعي ولم أقصر بما وجب عليّ من النصح والوعظ والإرشاد والتحذير وأداء التكليف، وقد اتبعني القليل من بني إسرائيل وخالفني أكثرهم.

ب. {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}[6] لأن استخدامي للشدة معهم، وخروجي من بينهم، يتيح الفرصة أكثر لتفرقهم وظهور الاختلاف والعداوة الشديدة بينهم، وقد يقدم بعضهم على قتل بعض بأن يتقاتل الذين اتبعوا السامري وعبدوا العجل، مع الذين اتقوا وآمنوا وخالفوا السامري ورفضوا عبادة العجل، فيسفك بذلك بعضهم دماء بعض، وليس بينهم من يعيدهم إلى رشدهم، ويضع حداً إلى الاقتتال وسفك الدماء، فتنعكس الآية، ويحدث عكس المراد، وعليه: فإن كانت هناك وجاهة في التوجه إليك لإخبارك عما حدث ونحو ذلك، فإن هناك وجاهة أكبر في البقاء بينهم، وقد امتثلت أمرك لي بالبقاء بينهم، من أجل صلاحهم ومداراتهم وحفظ دمائهم والعمل على إرشادهم إلى الهدى والحق والعدل والصواب والفضيلة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وانتظرت رجوعك إليهم وتسلمك الأمانة التي ائتمنتني عليها والفصل فيما حدث بينهم. ولو خرجت من بينهم، لحق لك أن تلومني وتقول لي بعد رجوعك: أني فرقت بين بني إسرائيل، وجعلت بعضهم يقتل ويسفك دم بعض، وأني خالفت وصيتك لي {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ}[7] ولم أعمل بها، فإن الإصلاح كان في بقائي بينهم وليس بخروجي. الجدير بالذكر: أن هارون (عليه السلام) قد أجل الفصل في مسألة عبادة عجل السامري وتركها إلى أن يرجع ولي الله الأعظم موسى الكليم (عليه السلام) ليفصل فيها بنفسه، وركز عمله على النصح والإرشاد وإدارة الأزمة بنجاح، للخروج منها بأقل الخسائر المادية والبشرية والمعنوية والدينية، مما يدل على أن المعالجة للأزمات والقضايا الحيوية والمسائل الجوهرية الدينية والدنيوية في الأمة، يجب أن تستند إلى رؤية فكرية وشرعية وموضوعية شاملة وواضحة، نأخذ بعين الاعتبار جميع العناصر المهمة النظرية والعملية، الحاضرة والمستقبلية، وثقل كل عنصر، ويقودها شخص رشيد وناضج ولديه شعور عميق بالأمانة والمسؤولية، أي: يجمع بين العلم والأمانة، ولا تصح معالجتها بدون رؤية واضحة وبصيرة نافذة، أو وفق نظرة جزئية قاصرة وغامضة، تأخذ بعين الاعتبار بعض العناصر، وتغفل أو تتجاهل عناصر أخرى، أو تغفل أو تتجاهل ثقل كل عنصر وأهميته، أو إسناد المعالجة والإدارة إلى شخص لا يتمتع بالأمانة والكفاءة والنصح ونحو ذلك.


المصادر والمراجع

  • [1]. طه: 94
  • [2]. نفس المصدر
  • [3]. الأعراف: 150
  • [4]. نفس المصدر
  • [5]. نفس المصدر
  • [6]. طه: 94
  • [7]. الأعراف: 142
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الأول | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟