مواضيع

التعريف بموسى الكليم: قتل الرجل القبطي وخروج موسى (ع) من مصر

ولما بلغ موسى الكليم (عليه السلام) مرحلة الشباب، منحه الله تبارك وتعالى القوة والفتوة والعلم والحكمة، وأنشأه على عينه على الفضائل والاستقامة ومكارم الأخلاق، وألهمه عمل الخيرات والصالحات.

وفي ذات يوم خرج موسى الكليم (عليه السلام) من القصر الملكي، ودخل المدينة، فوجد فيها رجلين يتشاجران، أحدهما إسرائيلي مستضعف، والآخر من آل فرعون الأقباط المستكبرين، فاستغاثه الإسرائيلي فأغاثه، بدافع الدفاع عن المستضعفين المظلومين وحماية المظلوم من الظالم، فوكز القبطي وكزة واحدة فقضت عليه؛ لما كان عليه موسى الكليم (عليه السلام) من القوة، ولم يكن يريد قتله، ولكنها إرادة الله (عز وجل) وتدبيره، وعليه: فإن الإسرائيلي كان مظلوماً والقبطي كان ظالماً، وكانت نية موسى الكليم (عليه السلام) حماية المظلوم من الظالم، وربما يكون القبطي مستحقاً للقتل في نفسه، إلا إن موسى الكليم (عليه السلام) لم يكن يريد قتله لأسباب موضوعية في تقديره، إلا إن القتل حدث بالخطأ ولم يكن مقصوداً، وذلك لحكمة إلهية بالغة في التدبير.

وفي اليوم الثاني خرج موسى الكليم (عليه السلام) من القصر الملكي ثانية ودخل المدينة، فوجد نفس الإسرائيلي يتشاجر مع فرعوني آخر، ويبدو أنه شاب أبيٌّ في غاية الحماس، وكان متمرداً على الوضع القائم ورافضاً للتمييز الواقع عليه وعلى قومه وللذل والهوان والظلم الذي هم فيه ومقاوماً له. فلما رأى الشاب موسى الكليم (عليه السلام) استغاثه، وإغاثة المظلوم واجبة، إلا أن موسى الكليم (عليه السلام) غضب على الإسرائيلي وأنَّبه لمشاكسته، ولأن الظروف الموضوعية لم تكن ناضجة وملائمة للثورة بحسب تقديره، لا أنه كان ظالماً؛ لأنه لو كان ظالماً أو لم يكن مظلوماً لما أغاثه موسى الكليم (عليه السلام) ووقف إلى صفه ونصره، فإنما أغاثه ونصره؛ لأن إغاثة المظلوم ونصرته واجبة، وهنا ينبغي التنبيه إلى أن الاختلاف مع المظلوم في تقدير الظروف الموضوعية لا يعني خذلانه، فضلاً عن الوقوف ضده والعياذ بالله، وإنما ينبغي نصحه وإرشاده، فلما أراد موسى الكليم (عليه السلام) التدخل لفض النزاع، وكان في غاية الحذر لكي لا يتكرر خطأ الأمس، خاف الإسرائيلي المعتدي، وقال: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ}[1] فكشف بذلك السر الذي كان مجهولاً لآل فرعون، وراحوا يبحثون عن موسى الكليم (عليه السلام) ليقتلوه بصاحبهم، والحادث يدل على أن آل فرعون والأقباط قد دأبوا على ظلم بني إسرائيل المستضعفين والاعتداء عليهم دائماً وبشكل مستمر ومتواصل، وأن في شباب بني إسرائيل من كان يرفض ذلك ويقاومه، وهذه ظاهرة طبيعية في مثل هذه الحالة، وكان موسى الكليم (عليه السلام) يدرك ذلك تماماً، ويدرك مشروعية الثورة وضرورتها، إلا أنه كان يدرك كذلك عدم نضج الظروف الموضوعية للثورة وضرورة التحضير إليها من أجل نجاحها في الوصول إلى تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها تحرير بني إسرائيل من أسر الأقباط، وحصولهم على كامل حقوقهم الطبيعية، وعدم التمييز بينهم وبين المواطنين الأقباط في الحقوق والواجبات.

وكان في وسط آل فرعون رجل مؤمن بالتوحيد وصالح يتعبد على دين إبراهيم الخليل (عليه السلام) يسمى حزقيل، وكان يتحلى بالعدل والحكمة وسمو النفس، وكان يرفض ما كان عليه فرعون والأقباط من الكفر والاستكبار والطغيان، وما يوقعوه ببني إسرائيل من الاستعباد والظلم والتمييز، وقد سمع بحادثة القتل والشجار، وكان عارفاً عن قرب بما يتحلى به موسى الكليم (عليه السلام) من العلم والحكمة والفضيلة والاستقامة مما يدفعه لأن يستبعد منه القتل العمد بغير حق، كما يعرف عن قرب أيضاً ما يتعرض له بنو إسرائيل من الاستعباد والظلم والتمييز ضدهم، مما يدفعهم بشكل طبيعي بحكم العقل والمنطق والفطرة والطبع الإنساني إلى الرفض والتمرد والمقاومة والثورة. وربما كان عارفاً بانحراف الرجل القبطي المقتول، وقد عرف وتأكد له بأن آل فرعون يبحثون عن موسى الكليم (عليه السلام) ليقتلوه بصاحبهم، فأسرع وأخبر موسى الكليم (عليه السلام) بما يريده به آل فرعون، ونصحه بأن يخرج من مصر إلى مكان يأمن فيه لينجو بنفسه، قول الله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 14 وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ 15 قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 16 قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ 17 فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ 18 فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ 19 وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}[2].

استجاب موسى الكليم (عليه السلام) إلى نصيحة العبد المؤمن حزقيل، وخرج من مصر خفية متوجهاً إلى قرية مدين، وهي مكان سكن نبي الله شعيب (عليه السلام) وقبيلته، وهم من أبناء نبي الله إسماعيل بن إبراهيم الخليل (عليه السلام) وتقع عند النهاية الشمالية لخليج العقبة، جنوبي فلسطين، حيث لا ملك ولا سلطة لفرعون الطاغية عليها، وتسمى في الوقت الحاضر معان.

ويدل سياق الأحداث أن بين موسى الكليم (عليه السلام) وحزقيل (مؤمن آل فرعون) معرفة سابقة وثقة متبادلة، حيث كان موسى الكليم (عليه السلام) ربيب فرعون ومعه في قصره، وحزقيل ابن عم فرعون أو ابن خاله وولي عهده ورئيس شرطته (المسؤول الأمني)، وقيل: مسؤول الخزانة؛ ولهذا كانت استجابة موسى الكليم (عليه السلام) لنصيحة حزقيل سريعة وخالية من الجدال.

وكان موسى الكليم (عليه السلام) خائفاً من أن تدركه شرطة فرعون، قبل أن يصل إلى مأمنه، فيقتلوه ظلماً قصاصاً بصاحبهم، فتوجه إلى ساحة القدس الإلهي، فقال {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين}[3].

فنجاه وأوصله إلى مأمنه سالماً، وهذا يدل على أن الخوف غريزة طبيعية في الإنسان، ولا تضر بالإيمان أو بتمام النبوة والرسالة، وهي التي تدفع الإنسان إلى اتقاء الشر ودفع الضرر عن نفسه، والتوجه إلى ساحة القدس الإلهي، أي: تكون سبباً إلى سمو الإنسان وارتقائه في سلم الكمال الإنساني، وهي في الحالة الإنسانية الطبيعية، لا تحمل الإنسان على التخلي عن مسؤولياته ومخالفة التكليف الشرعي، أي: خوفاً من عقوبة الحكام المستبدين الظلمة ونحوهم؛ لأن ذلك يلحق بالإنسان أعلى مراتب الضرر التي وجدت غريزة الخوف لتقيه، حيث أن التخلي عن المسؤولية ومخالفة التكليف الشرعي مخافة عقوبة الحكام المستبدين الظلمة ونحوهم يؤدي إلى انسلاخ الإنسان من إنسانيته وكرامته، وجعله عرضة لغضب الله (عز وجل) وسخطه وانتقامه أي: هلاكه وشقائه في الدارين الدنيا والاخرة.


المصادر والمراجع

  • [1]. القصص: 19
  • [2].القصص: 14-20
  • [3]. القصص: 21
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الأول | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟